آلاف الطلاب اللبنانيين الذين يتابعون تحصيلهم العلمي في الجامعات والمعاهد الموزعة على امتداد الجغرافيا الفرنسية، يجدون أنفسهم أمام مشهد احتجاجي متصاعد، يطرح أسئلة كبيرة متعلقة بمواقفهم من التحركات الجارية ومدى انخراطهم فيها وجدوى ذلك. فرنسا، البلد الذي لطالما شكّلت شوارعه ساحة للتعبير، تتصاعد فيه الاحتجاجات على خلفية ملفات متعددة، من غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة والسياسات الحكومية، إلى المطالب المرتبطة بالتعليم والإنفاق على المدارس والجامعات. وفي خضم هذه التحركات، كان الطلاب المهاجرون من أبرز القوى التي أسهمت في إشعال الشارع الفرنسي ودفع الاحتجاجات نحو مزيد من الاتساع، وليس من المبالغة القول إن باريس من أكثر العواصم التي يؤدي فيها الشباب دوراً كبيراً في التغيير، يتجاوز أدوار النقابات والعمال. ولكن ما موقف الطلاب اللبنانيين من هذه الاحتجاجات؟ وهل يشاركون فيها؟ وما الذي يدفعهم إلى النزول إلى الشارع أو الابتعاد عنه؟ تأييد المطالب وتردد في المشاركة تشير طالبة العلوم السياسية لامار هنداوي، ابنة الـ19 عاماً في إحدى جامعات باريس، في حديثها إلى "النهار"، إلى أنها لم تشارك مباشرة في الاحتجاجات لأنها تخشى أن تتضاءل فرصها في هذا البلد إذا توقفت عن الدراسة فيه، بعدما سعت منذ تخرجها في المدرسة إلى الدراسة في فرنسا. وتضيف: "أؤيد المطالب ونتواصل مع المتظاهرين لمساعدتهم بطرق غير المشاركة المباشرة معهم، كإيصال الطعام والشراب لهم مثلاً. ويبدو أن هذه الاحتجاجات ستتزايد أكثر". قرار عدم المشاركة تؤيده أيضاً الطالبة شذى الحاج التي تدرس في إحدى جامعات نورماندي شمال فرنسا. تقول إنها أغلقت الباب على نفسها لأنها كانت تعي مصير هذه التظاهرات التي لا يمكن إلا أن تتحول إلى ما يناقض طابعها السلمي. في المقابل، ثمة من شارك في الاحتجاجات يومياً وعلى مدى أكثر من يوم. "النهار" تواصلت مع أكثر من ثلاثة طلاب يقيمون معا وشاركوا في الاحتجاجات وأعمال العنف، لكنهم فضلوا عدم ذكر أسمائهم. أحد هؤلاء يشرح ما حصل معه: "في البداية قلت أنا لا أنتخب هنا ولا تأثير لي، لذا لا أريد المشاركة، وقررت معاينة ما يحصل مع صديق. وعندما رأيت الغاز المسيل للدموع في الشوارع ارتديت الكوفية وشعرت بأن هذا مكاني. دخلنا متاجر آبل ليلاً، وأذكر جيداً أن غالبية المتظاهرين كانوا فرنسيين". من أثار الاحتجاجات في فرنسا (أ ف ب). عديدة هي المخاطر التي يُرجح أن تواجه الطلاب اللبنانيين المشاركين في الاحتجاجات في فرنسا، بدءاً من احتمال التعرض للإصابة أو التوقيف خلال المواجهات، وصولاً إلى تداعيات كبيرة على مسيرتهم الأكاديمية ووضعهم القانوني، وفقاً لطبيعة المشاركة وما قد تنتجه من مخالفات. فالطالب الذي انتقل إلى فرنسا بهدف متابعة دراسته ويحمل تأشيرة أو تصريح إقامة بصفة طالب، قد يجد نفسه أمام تعقيدات إضافية إذا تورط في أعمال عنف أو ارتكب مخالفات يعاقب عليها القانون، وقد يصل الأمر إلى صدور أحكام جزائية تؤثر في قدرته على استكمال دراسته وتجديد إقامته. المشاركة في الاحتجاجات كعنوان عام لا تعني بذاتها أن الطالب الأجنبي سيواجه الترحيل أو يفقد حقه في الإقامة، ولكن في مثل هذه الظروف الحساسة، يصبح صعبا على الشرطة والقضاء التمييز بين ممارسة الحق في التظاهر وارتكاب أفعال مخالفة للقانون، وأحيانا قد يكون عدم التمييز مقصوداً بغية الترحيل.