شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على أن تعافي لبنان لا ينفصل عن بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الدستورية، مؤكدًا أن مشاركة النساء في صنع القرار تشكّل ركيزة أساسية لإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي وبناء دولة أكثر عدلًا. ودعا إلى الانتقال من الإشادة بقدرة النساء على تحمّل الأزمات إلى إزالة العوائق التي تحول دون وصولهن إلى مواقع المسؤولية، وضمان حقوقهن بقوانين عادلة ومؤسسات فاعلة. وفي كلمة خلال مؤتمر "نساء على خطوط المواجهة"، الذي تنظّمه مؤسسة مي شدياق بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، قال سلام: "ليس عدلًا أن تكون النساء في الصفوف الأولى حين تقع الأزمات، وفي الصفوف الأخيرة حين تُتّخذ القرارات التي ترسم ما بعدها". واعتبر أن هذا الواقع يختصر التحدّي الذي يطرحه المؤتمر عامًا بعد عام، موضحًا أن السؤال لم يعد ما إذا كانت النساء قادرات على المواجهة، بعدما أثبتن ذلك مرات لا تُحصى، بل ما إذا كانت الطريق تُفتح أمامهن للانتقال من خطوط المواجهة إلى مواقع المسؤولية، وما إذا كانت السياسات والممارسات تتغيّر بما ينهي واقع تحمّلهن الأعباء أولًا وحصولهن على الفرص أخيرًا. وشكر سلام مؤسسة مي شدياق وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وحيّا الشركاء والمشاركين، مثمّنًا خصوصًا أن محاور المؤتمر لا تحصر النقاش فيما يُسمّى "قضايا المرأة"، بل تضع النساء في صلب الملفات التي تحدّد مصير لبنان، من إعادة الإعمار والسلم والسيادة إلى النهوض الاقتصادي والتكنولوجيا والإعلام. وأكد أن حقوق النساء ليست ملفًا منفصلًا عن مشروع بناء الدولة، بل أحد المعايير الأساسية التي يُقاس بها شكل الدولة التي يجري بناؤها. وتوقّف عند السنوات الصعبة التي أثقلت حياة اللبنانيين، مشيرًا إلى أن الأزمات لا توزّع كلفتها بالتساوي. فعندما تُهجّر عائلة، تجد المرأة نفسها في كثير من الأحيان مسؤولة عن تأمين الحاجات اليومية ورعاية الأطفال وكبار السن وضمان استمرار الحياة، في ظروف تفتقد أبسط مقوّماتها. كذلك، يؤدي تراجع الخدمات وتقلّص فرص العمل إلى تضييق خيارات نساء كثيرات، ولا سيما الأكثر فقرًا والأقل حماية. وأوضح أنه لا يورد هذه الوقائع لإضافة صورة جديدة من التضحية والبطولة إلى صورة المرأة، معتبرًا أن المجتمع بالغ طويلًا في مطالبة النساء بالصمود، فيما يتمثّل واجب الدولة في ضمان ألّا تحتاج المرأة إلى بطولة يومية لتأمين مدرسة لأطفالها، أو رعاية صحية لعائلتها، أو عمل كريم لنفسها، أو حماية من العنف. وفي ملف إعادة الإعمار، رفض سلام اختزال العملية بالإسمنت والطرق والجدران، مؤكدًا أن إعمار الوطن يشمل أيضًا إعادة الأسر إلى بيوتها بأمان وكرامة، والأولاد إلى مدارسهم، والخدمات إلى القرى، إلى جانب إيجاد فرص عمل واستعادة الثقة بأن الدولة لا تترك مواطنيها وحدهم. وشدّد على أنه ليس منطقيًا التخطيط لمستقبل حياة العائلات من دون الإصغاء إلى النساء اللواتي يعرفن تفاصيل هذه الحياة واحتياجات المجتمعات المراد النهوض بها. وأكد أن الشراكة الدولية أساسية، معربًا عن تقدير كل دعم صادق للبنان، لكنه شدّد على أن المسؤولية الأولى تقع على اللبنانيين، مجتمعًا ودولة. وأوضح أن الشركاء يستطيعون المساعدة، فيما تبقى مسؤولية تحديد الأولويات وضمان الشفافية والمساءلة على عاتق اللبنانيين، بما يجعل التعافي فرصة لتصحيح الاختلالات بدل إعادة إنتاجها. وربط سلام التعافي بالاستقرار، معتبرًا أن الاستقرار الحقيقي يعني شعور الناس بالأمان وقدرتهم على التخطيط للغد من دون خوف. وقال إن ذلك لا يتحقّق من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الدستورية وحدها، وحماية حقوق المواطنين من دون استثناء. وفي هذا السياق، دعا إلى عدم اختزال دور النساء في معالجة نتائج النزاعات، مؤكدًا أنه لا يكفي الاستماع إلى أصواتهن بعد وقوع الضرر، بل ينبغي أن تُسمع قبل اتخاذ القرار الذي يمكن أن يمنع حدوثه أصلًا. وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد سلام أنه لا تعافي وطنيًا من دون تعافٍ اقتصادي، لكن الاقتصاد لا يستعيد عافيته فعلًا ما دامت طاقات نصف المجتمع مهدورة. وأشار إلى وجود نساء مؤهلات ورائدات أعمال وعاملات ومبدعات، إلا أن الموهبة وحدها لا تكفي عندما تعترضها حواجز تحول دون الوصول إلى فرص العمل والتمويل والمواقع القيادية. وأضاف أن استمرار توزيع أعباء الرعاية الأسرية بصورة غير عادلة يجعل تكافؤ الفرص مجرّد شعار، داعيًا إلى اقتصاد يتيح مشاركة فعلية للنساء، من خلال فرص عمل حقيقية، وحماية من التمييز والتحرّش، وخدمات تساعد الأسر على التوفيق بين العمل والرعاية، ووصول أكثر عدلًا إلى التدريب والتمويل والتكنولوجيا. وقال: "لا نريد أن نكتفي بالتصفيق لامرأة نجحت رغم كل العوائق، بل نريد إزالة العوائق حتى لا يبقى نجاح المرأة استثناءً