لم يكن خروج المستثمر الإماراتي خلف الحبتور من لبنان مجرد قرار تجاري عابر، ولا خلافاً عادياً بين رجل أعمال والدولة. فقد شكّل هذا الانسحاب ضربة قاسية لصورة لبنان الاستثمارية، لأنه أصاب مستثمراً كان موجوداً في البلد منذ أكثر من عقدين، وصمد أمام الحروب والأزمات، قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى إقفال أعماله واللجوء إلى المحاكم الدولية. منذ عام 2001، استثمرت مجموعة الحبتور في قطاعات الفنادق والعقارات والترفيه، وشغّلت مشاريع معروفة بينها “متروبوليتان بالاس” و”حبتور لاند”، ووفّرت فرص عمل في السوق اللبنانية. لكن المجموعة أعلنت إقفال أعمالها في لبنان وإنهاء خدمات موظفيها، متحدثة عن عدم الاستقرار، والحملات والاتهامات العلنية، والنزاعات القانونية، والخسائر المتراكمة. ولم يأتِ هذا الانسحاب من فراغ. فقبل الحبتور، كان السوق اللبناني قد بدأ يفقد عشرات العلامات والشركات العالمية. ومنذ تشرين الثاني 2019، أُقفلت فروع 42 علامة عالمية في لبنان، قبل أن يرتفع الرقم المتداول لاحقاً إلى نحو 50 علامة أجنبية انسحبت من السوق أو أوقفت أعمالها. وشملت هذه الانسحابات قطاعات الألبسة والأحذية والمطاعم ومستحضرات التجميل والتجزئة، فيما كانت مجموعة “الشايع” الكويتية، التي تدير عشرات العلامات العالمية، من أبرز المتضررين، بعدما اضطرت إلى إقفال عدد من فروعها وتقليص حضورها في السوق اللبنانية. ولم تقتصر الهجرة على العلامات التجارية. ففي قطاع الأدوية، انسحبت أو أغلقت مكاتب نحو 60% من شركات الأدوية العالمية العاملة في لبنان، وبينها أسماء كبرى مثل “نوفارتس”، “سانوفي”، “ميدا”، “غلاكسو”، “حكمة” و”تبوك”. كما خفّضت شركات أخرى عدد موظفيها أو حوّلت وجودها المباشر إلى تمثيل عبر وكلاء محليين. وهذا الانسحاب لا يعني فقدان مكاتب وشعارات فقط، بل تراجعاً في فرص العمل، وتقلصاً في توفر الأدوية الحديثة، وتحول لبنان من سوق إقليمي أساسي إلى سوق ثانوي لا يحتل الأولوية في حسابات الشركات العالمية. وفي قطاع الطاقة، خرجت شركة “نوفاتك” الروسية عام 2022 من كونسورتيوم التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية، قبل أن تدخل “قطر للطاقة” مكانها. ورغم أن الانسحاب الروسي لا يرتبط بعامل واحد، فإن التأخير السياسي والنزاعات والفراغات القانونية ساهمت في إبقاء المشاريع الكبرى معلقة لسنوات. أما على المستوى الاقتصادي العام، فقد خسر لبنان 98% من قيمة عملته منذ بداية الانهيار، فيما تجاوزت خسائر القطاع المالي 72 مليار دولار. وتحولت القيود المصرفية إلى عائق مباشر أمام الشركات التي لم تعد قادرة على تحويل أموالها أو تمويل عمليات الاستيراد أو تسديد التزاماتها الخارجية. وفي هذا المناخ، انتقلت قضية الحبتور إلى مستوى أكثر خطورة. فالمجموعة وجّهت إخطاراً رسمياً إلى الدولة اللبنانية بوجود نزاع استثماري، تمهيداً للجوء إلى التحكيم الدولي بموجب اتفاقية حماية الاستثمارات بين لبنان والإمارات. ثم أعلنت بدء إجراءات التحكيم ضد الجمهورية اللبنانية، مطالبةً بتعويضات قالت إنها تتجاوز 1.7 مليار دولار، على خلفية خسائر طالت استثماراتها وأموالاً مودعة في النظام المصرفي اللبناني. ولا تزال هذه المطالبات موضع نزاع قانوني، ولم يصدر فيها حكم نهائي، لكنها تحمل دلالة سياسية واقتصادية كبيرة. فحين ينتقل مستثمر عربي كبير من الاستثمار في لبنان إلى مقاضاة الدولة أمام المحاكم الدولية، لا يعود الأمر مجرد ملف خاص. الرسالة تصبح أوسع: لبنان لم يعد قادراً على حماية المستثمرين، ولا على تأمين بيئة قانونية ومصرفية مستقرة، ولا على إدارة النزاعات قبل أن تتحول إلى دعاوى دولية. قد يكون صحيحاً أن الانهيار بدأ قبل انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة نواف سلام. لكن ذلك لا يعفي السلطة الحالية من مسؤوليتها السياسية. فمنذ وصولها إلى الحكم، لم تقدّم الحكومة خطة واضحة لاستعادة المستثمرين الذين غادروا، ولا برنامجاً عملياً لحماية الشركات الموجودة، ولا مساراً معلناً لتسوية قضية الحبتور. بل على العكس، بقي الحديث عن جذب الاستثمارات أكبر من الاستثمارات نفسها. لا أرقام واضحة عن مشاريع خاصة جديدة، ولا أسماء كبرى دخلت السوق، ولا نتائج ملموسة تبرر كل الوعود التي أطلقتها السلطة حول إعادة الثقة والانفتاح على العالم العربي. حتى المشاريع الخارجية، ومنها المشروع القطري في قطاع الكهرباء، تبقى في إطار الدعم والتمويل الخارجي، ولا تعني عودة المستثمر الخاص إلى لبنان. فالمساعدة الخارجية ضرورية، لكنها لا تعوّض غياب البيئة التي تشجع الشركات على وضع أموالها وتشغيلها وتوسيع أعمالها. الضربة القاسية في قضية الحبتور لا تكمن فقط في قيمة الاستثمارات أو حجم المطالبة المالية، بل في رمزية الخروج. فالمستثمر الذي دخل لبنان، واستمر فيه أكثر من 20 عاماً، وتحمل الأزمات، انتهى به الأمر إلى إقفال أعمال