ليست أزمة الكهرباء في لبنان أزمة خدمات فحسب، بل هي من أبرز الأزمات التي تختصر معاناة المواطن مع الدولة ومؤسساتها، فمنذ سنوات، يعيش المواطن اللبناني تحت وطأة انقطاع التيار الكهربائي، ويدفع كلفة مرتفعة للحصول على أبسط حقوقه، من خلال فواتير الكهرباء والاشتراكات في المولّدات الخاصة، في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية وتتراجع القدرة على تحمّل مزيد من النفقات.وأمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال الرئيس: كيف يمكن دولة أن تستعيد ثقة مواطنيها فيما تعجز عن تأمين خدمة أساسية يحتاج إليها كل منزل ومؤسسة ومدرسة ومستشفى؟فالكهرباء ليست ترفاً، ولا امتيازاً تمنحه الدولة لمواطنيها، بل هي حقّ يرتبط مباشرة بالعيش الكريم وبقدرة المجتمع على العمل والإنتاج والتقدّم.من هنا، فإنّ أي نقاش حول مستقبل قطاع الكهرباء يجب أن ينطلق من مصلحة المواطن أولاً، لا من الحسابات السياسية أو المصالح الضيّقة، فالمطلوب ليس الاكتفاء بإيجاد حلول موقتة تخفّف من حدّة الأزمة، بل وضع خطة واضحة تعالج أسبابها وتؤسّس لقطاع قادر على الاستمرار، بعيدا من الاهدار والتجاذبات والتجارب التي لم تنجح في تحقيق النتائج المرجوّة.ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل مسؤولية الدولة عن الواقع الذي وصل إليه هذا القطاع، فالأزمة الراهنة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة سنوات من التعثّر في التخطيط والإدارة، وتأخّر الإصلاحات، وعدم التوصّل إلى حلول مستدامة تضع حدّاً لمعاناة اللبنانيين، وقد دفع المواطن، ولا يزال، ثمن هذا الإخفاق من ماله الخاص ومن استقراره المعيشي، فيما بقيت الوعود تتكرّر من دون أن يلمس تغييراً جذرياً في حياته اليومية.وبالتالي، فإنّ الاعتراف بهذه المسؤولية ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل هو شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي… فلا يمكن بناء الثقة من دون مصارحة، ولا يمكن معالجة الخلل من دون مساءلة، ولا يجوز أن تتحوّل الأزمات المزمنة إلى واقع يُطلب من المواطن التعايش معه إلى ما لا نهاية. ومن حقّ اللبنانيين أن يعرفوا أين تعثّرت السياسات السابقة، وما الذي تغيّر اليوم، وما الضمانات التي تحول دون تكرار الأخطاء نفسها.في المقابل، تبرز أهمية المبادرة القطرية الداعمة للبنان في مجال الطاقة، بما تحمل من فرصة لتعزيز التعاون وتوفير إمكانات تساعد على معالجة جانب من أزمة الكهرباء.، ويأتي هذا الدعم في سياق العلاقات الأخوية التي تجمع لبنان بدولة قطر، والتي شكّلت في محطات مختلفة مصدر مساندة للبنان في مواجهة أزماته وتحدّياته.ومن الطبيعي أن يرحّب اللبنانيون بكل مبادرة تفتح نافذة أمل أمام تحسين واقع الكهرباء، خصوصاً في ظلّ الحاجة الملحّة إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة على الإنتاج وتأمين مصادر طاقة أكثر استقراراً. لكنّ أهمية الدعم لا تُقاس بمجرد الإعلان عنه، ولا بحجم المساعدات المقدّمة، بل بما يمكن أن يحقّقه فعلياً على أرض الواقع، وبمدى انعكاسه على حياة المواطنين.وهنا تحديداً تكمن المسؤولية اللبنانية، فالدعم الخارجي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده أن يعالج اختلالات قطاع يحتاج إلى إصلاحٍ إداري ومالي ومؤسساتي متكامل، كما أنّ المبادرات الخارجية، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحوّل إلى بديل من دور الدولة أو إلى وسيلة لتأجيل القرارات الإصلاحية المطلوبة. إنّ المطلوب إليوم هو أن يكون هذا الدعم فرصة حقيقية لإعادة بناء القطاع على أسس سليمة، وأن تقابله إرادة داخلية جادّة في الإدارة والشفافية والمحاسبة.ومن هذا المنطلق، تبرز أسئلة لا بدّ من الإجابة عنها: كيف ستُترجم هذه المبادرة إلى تحسين فعلي في التغذية الكهربائية؟ وما أثرها المتوقع على كلفة الإنتاج وعلى الأعباء التي يتحمّلها المواطن؟ وما الآليات التي ستضمن حسن التنفيذ والرقابة واستمرارية النتائج؟إنّ طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من أهمية المبادرة القطرية، بل يعكس الحرص على نجاحها وعلى توظيفها بما يخدم المصلحة اللبنانية العامة.كذلك، لا بدّ من أن يترافق أي تطوّر في قطاع الكهرباء مع إصلاحات واضحة تشمل الحدّ من الاهدار، وتحسين الجباية، وتعزيز الحوكمة، وضمان الشفافية في التعاقدات، وتطوير مصادر الطاقة المتجدّدة ضمن رؤية متكاملة، فزيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا بقيت الاختلالات الإدارية والمالية على حالها، وإذا لم تُترجم التحسينات إلى خدمة موثوقة وكلفة أكثر عدالة للمواطن.والأهمّ من ذلك كلّه ألّا يغيب الإنسان عن أي خطة أو مشروع، فالمواطن اللبناني الذي تحمّل سنوات طوال من انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفتها، لا ينتظر أرقاماً ووعوداً جديدة بقدر ما ينتظر أن يشعر بأنّ هنالك تغييراً حقيقياً يحدث… فهو يريد كهرباء مستقرة، وفاتورة يستطيع تحمّلها، ودولة تتعامل مع حاجاته باعتبارها مسؤولية أساسية لا ملفاً مؤجّلاً إلى حين توافر الظروف السياسية المناسبة.إنّ لبنان اليوم أمام فرصة ينبغي عدم إضاعتها، فال