تُخاض الاحتجاجات في فرنسا، ليس في الشارع فحسب، إنما أيضاً على الشاشة. فبينما ازدحم المتظاهرون في الشوارع، انتقلت صورهم ومقاطع الفيديو إلى منصات التواصل الاجتماعي ليشاهدها الملايين، جمهور شاسع على وسع الفضاء الرقمي. هنا المواجهة تتخذ بعداً آخر. ولا يتطلب الأمر سوى "كبسة زر" لتتدفق المعلومات بلا حدود، وتختلط الوقائع بروايات مضلّلة. إلى أي مدى تستطيع وسائل التواصل حشد المتظاهرين والتأثير في مسار الاحتجاجات؟ وأين ينتهي دورها في نقل الغضب، ليبدأ دورها في تأجيجه أو توجيهه؟ وكيف يساهم التضليل، المدعوم أحياناً بأدوات الذكاء الاصطناعي، في تشكيل صورة ما يجري على الأرض؟ هذه الأسئلة حضرت في التغطيات الإعلامية الفرنسية خلال الساعات الماضية، وأثارت المناقشات دور المنصات الرقمية في الاحتجاجات، وحدود تأثيرها في الشارع. في 19 تشرين الاول 2026، دعا رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابريال أتال الى فرض حظر موقتعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وقال في مقابلة مع قناة RTL: "يجب أن يكون الحظر موقتاً وموجهاً، في المناطق التي تشهد أعمال شغب"، مشيرا الى أن هذا الإجراء ينبغي أن يكون من بين الأدوات المتاحة إذا استمرت الاضطرابات وثبت استخدام المنصات في تأجيجها. وعلى الرغم من العقبات التقنية، التي تعترض تطبيق هذا الطرح، فإنه يكشف عن تنامي القلق في الأوساط السياسية الفرنسية إزاء الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الاحتجاجات. فما حصل السبت 17 تشرين الاول 2026 هزّ فرنسا. بدأ الأمر مع شاب يُعرَف باسم v2.95، نشر على تيك توك مقطعاً عبّر فيه عن غضبه من ارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تنتشر دعوته إلى التظاهر في 17 تشرين الأول على نطاق واسع عبر الإنترنت، وفقاً لما رصدته وسائل اعلام فرنسية. وهكذا، تحوّل مقطع مصوّر إلى نداء للتعبئة، سرعان ما تقاطع مع مطالب اجتماعية أخرى، في مقدمها غلاء المعيشة وأوضاع المؤسسات التعليمية. وتناقلت حسابات مختلفة الدعوة، وروّجت لها ملصقات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن تقف وراءها جهة تنظيمية معروفة. وقد تجاوز انتشار الدعوة حدود التداول العادي على المنصات الرقمية. فوفقاً لأرقام قدمتها شركة "Visibrain" المتخصصة برصد المنصات، نُشر ما يقرب من 460 ألف منشور يتعلق بـ17 تشرين الاول على منصات التواصل الاجتماعي في فرنسا، منذ 27 أيلول. وشهدت الأيام الأخيرة تسارعاً ملحوظاً، مع تسجيل ذروة يوم الأحد 11 منه، إذ تم تداول قرابة 65 ألف منشور وفيديو عبر المنصات. أرقام تعكس حجم انتشار الدعوة في الفضاء الرقمي، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن كل من شاهد هذه المقاطع قرّر المشاركة في الاحتجاجات. وفي المقابل، على الأرض، شارك عشرات الآلاف الدعوة، فيما شهدت مدن فرنسية اشتباكات عدة مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب طغت مشاهدها على جانب من التغطية الإعلامية. هل حشدت المنصات المتظاهرين فعلاً؟ تُظهر دراسات أكاديمية أن منصات التواصل الاجتماعي لا تقتصر على نقل أخبار الاحتجاجات، بل يمكن أن تؤدي دوراً في التعبئة، من خلال نشر الدعوات، وتسهيل التنسيق، وتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور. لكن تأثيرها في المشاركة الميدانية ليس تلقائياً، إذ يتفاوت بحسب طريقة استخدام المنصات والسياق الذي تنشأ فيه الاحتجاجات. فقد بحثت دراسات أكاديمية في العلاقة بين النشاط الرقمي والمشاركة الاحتجاجية، بينها دراسة نُشرت عام 2025 للباحثين كاترينا فرويو وخافيير روميرو- فيدال، تناولت حركة "السترات الصفراء" في فرنسا. وبيّنت ان تجارب الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً في الربط بين الاستخدام العام لهذه المنصات والمشاركة في الاحتجاجات، وأن مجرد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يكفي للتنبؤ بالسلوك الاحتجاجي، في حين أن البحث عن المحتوى المنشور عبر حسابات صانعي القرار والنشطاء، واستخدام هذه المنصات للتعبير عن الآراء، يساهمان في تعزيز المشاركة في الاحتجاجات. وفي دراسة أخرى (2022) تناولت الحركة ذاتها، أظهرت النتائج أن العلاقة بين النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي والاحتجاجات الميدانية ليست ثابتة ولا أحادية الاتجاه، بل هي علاقة متبادلة تتغير على مدار الحراك الجماعي بطرق محددة وقابلة للقياس. وباستخدام بيانات من الفضاءين الرقمي والميداني، بيّنت آليات مختلفة يؤثر من خلالها كلٌّ منهما في الآخر. فعلى وجه التحديد، يؤثر إنشاء مجموعات على فايسبوك في اندلاع الاحتجاجات. في المقابل، يؤدي اندلاعها إلى تغيير أنماط انتشار المعلومات بين المستخدمين على المنصة. إضافةً إلى ذلك، يؤثر المحتوى المنشور على فايسبوك، والمتعلق بالأطر التي تستند إليها الحركة في عرض مطالبها وتفسير أهدافها، وكذلك المحتوى المرتبط بالتعبئة، في جهود الحشد على أرض الواقع. ولا تعني هذه النتائج أن النشاط الرقمي يقود بالضرورة إلى المشاركة ا