من القدس إلى بيروت، ومن ذاكرة المنفى إلى عالم الألوان، تعود أعمال بول غيراغوسيان في معرض استعادي بمناسبة مئوية ميلاده. ابنته مانويلا تفتح لـ"النهار" أبواب الذاكرة، وتروي حكايات عن الأب والفنان لم تكشفها اللوحات وحدها. في مئوية بول غيراغوسيان، لا تبدو العودة إلى أعماله مجرّد احتفاء بفنان ترك بصمته في الحداثة التشكيلية اللبنانية والعربية. إنها عودة إلى سيرة إنسان جعل من الرسم وطناً آخر، ومن اللون وسيلة لمقاومة الفقد، ومن الشخوص الواقفة تعبيراً عن الحياة التي أصرّ على الانحياز إليها، مهما اشتدّت قسوتها. في مؤسسة بسام فريحة للفنون بجزيرة السعديات في أبوظبي، افتُتح في 17 تشرين الأول/أكتوبر معرض "بول غيراغوسيان: 100 عام من الفن"، الذي يستمر حتى 17 كانون الثاني/يناير 2027. ويقدّم المعرض الاستعادي قراءة واسعة لمسيرته، من البورتريهات الأولى إلى تكويناته المتأخرة التي بلغت فيها لغته التشكيلية ذروة نضجها وحرّيتها. بول غيراغوسيان على سطح منزله، في صورة تستعيد جانباً من حياته اليومية. (متحف: المتحف العربي للفن الحديث) تكتسب هذه الاستعادة أهمية خاصة، إذ تأتي الأعمال المعروضة من مجموعة عائلة الفنان، ويغادر عدد كبير منها لبنان للمرة الأولى. لوحات ورسوم ومواد أرشيفية تعيد تركيب تجربة امتدت نحو خمسة عقود، وتتيح الاقتراب من فنان ظلّ الإنسان موضوعه الأثير، على اختلاف ملامحه وأحزانه وأحلامه.المعرض الذي أُنجز بالتعاون مع مؤسسة بول غيراغوسيان، تولّت تنسيقه ابنته مانويلا، رئيسة المؤسسة، بالاشتراك مع الدكتورة ميكايلا واترلو، مديرة المعارض في مؤسسة بسام فريحة للفنون.وفي حديث خاص إلى "النهار"، تتوقف مانويلا عند المعنى الشخصي لهذه المئوية، بعد عامين من العمل والتحضير. بالنسبة إليها، لا تنفصل مسؤولية صون الإرث الفني عن رغبتها في أن يكتشف آخرون الرجل الذي عرفته أباً.تقول: "أحبّ أن أنظر إلى المعرض بوصفه هدية نقدّمها إلى الجمهور في عيد ميلاد بول المئة"، مضيفةً أنه احتفاء بحياته وفنّه وبالقوة التي لا تزال تنبض في أعماله. بورتريه رسمه بول غيراغوسيان لابنته مانويلا، التي تتولّى اليوم الحفاظ على إرثه الفني. (The National) بول غيراغوسيان: من وجع المنفى إلى وجوه الناس وُلد بول غيراغوسيان عام 1926 في القدس، لأبوين أرمنيين نجَوا من الإبادة الأرمنية. عرف باكراً وطأة الاقتلاع والحرمان، وأمضى جانباً من طفولته في المدارس الداخلية، بعيداً من حضن والدته راحيل التي عملت جاهدة لتؤمّن لابنيها التعليم وفرصة لحياة أفضل. انتقل مع عائلته إلى يافا، ومنها إلى لبنان في أواخر الأربعينيات، بحيث وجد في بيروت فضاءً لحياته وفنه. عمل في التعليم والرسم وتصميم الملصقات، قبل أن تقوده موهبته إلى الدراسة في فلورنسا، ثم باريس، ويصبح أحد الأسماء الأساسية في حركة الفن الحديث. لكن غيراغوسيان لم يتخلَّ عن عالمه الأول حين اتسعت شهرته. بقيت وجوه الناس العاديين، والعمّال، والنساء، والأمهات، والأجساد المنهكة، حاضرة في أعماله. رسم الإنسان الذي يعرفه، ذاك الذي يخرج من الأزقة والأسواق، ويحمل على جسده آثار التعب، وفي عينيه ما تبقّى من رجاء. بورتريه ذاتي للفنان بول غيراغوسيان، من أعماله المبكرة التي تكشف ملامح تجربته الفنية. (مؤسسة بول غيراغوسيان) مع تطوّر تجربته، راحت ملامح الوجوه تتراجع، والأجساد تستطيل، حتى غدت شخوصه أقرب إلى أعمدة بشرية متجاورة، تتداخل فيها ضربات الفرشاة العريضة مع مساحات اللون. كان ينتقل تدريجاً من التشخيص إلى التجريد، من دون أن يفقد الإنسان حضوره في اللوحة.في هذه المسافة بين الشكل المرئي والإحساس الداخلي، صنع غيراغوسيان لغته الخاصة. شخوص بلا هويات محدّدة، تتجاور وتتلاصق، كأنها تبحث في قربها بعضها من بعض عن طمأنينة افتقدها العالم. حين رأى أطفاله يكبرون... وُلدت الشخوص الواقفة ثمة حكاية تكشفها مانويلا وتمنح أحد أشهر عناصر تجربته الفنية معنى حميماً.خلال تحضير المعرض، عثرت على مقابلة قديمة يروي فيها والدها كيف ألهمته مراقبة أطفاله وهم يكبرون ويزدادون طولاً، بداياتِ اشتغاله على الشخوص الواقفة، التي أصبحت لاحقاً العلامة الأكثر تميّزاً في أعماله.كان الوقوف، في نظره، مرادفاً للحياة، فيما ارتبط الاستلقاء بالموت. ومن مشهد يومي بسيط، لأب يراقب أبناءه وهم ينمون أمام عينيه، بدأت تتبلور لغة تشكيلية ستتجاوز حدود العائلة إلى معانٍ إنسانية أرحب. لوحة العائلة La Famille (1957)، زيت على قماش، 85 × 65 سم، من مجموعة مؤسسة بول غيراغوسيان. تقول مانويلا إن هذا الاكتشاف أتاح لها أن ترى أعمالاً رافقتها منذ طفولتها بعين مختلفة. فخلف تلك القامات المديدة، التي قرأ فيها النقّاد دلالات المنفى والتضامن والصمود، تكمن أيضاً دهشة أب أمام الحياة وهي تنمو في بيته. ولعلّ تلك إحدى خصوصيات عالم غيراغوسيان: