“ليبانون ديبايت” - المحرر السياسي لا يقف لبنان أمام خلاف سياسي عابر بين الدولة وحزب الله، بل أمام وضع بالغ الاحتقان، تتوافر فيه عناصر الانفجار، فيما يكفي أي خطأ غير محسوب لنقل التوتر من مستوى السجال إلى مواجهة مفتوحة. وتتقاطع حركة الموفدين إلى بيروت عند عنوان واحد: منع انتقال أي مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل إلى الداخل اللبناني، واحتواء التوتر بين الدولة وحزب الله قبل تحوّله إلى صدام عسكري. وتشمل هذه الحركة اتصالات إيرانية وقطرية وفرنسية وعربية، إلى جانب تحرّك الأمين العام لجامعة الدول العربية، فيما حمل الموفد القطري، خلال لقاء مع مسؤولين في حزب الله، اقتراحاً للوساطة بين الحزب ورئيس الجمهورية جوزاف عون. وتأتي هذه الاتصالات على خلفية مسار داخلي بلغ مستويات حساسة، بعدما اقتربت الدولة من ملفات يعتبرها حزب الله من محرماته، وفي مقدّمها سلاحه وآليات التعامل مع بنيته العسكرية. فمصادرة شحنة المتفجرات، وعدم الإفراج عنها، وتوقيف العناصر المرتبطين بها، ثم عرض الملف على مجلس الوزراء تمهيداً لإحالته إلى المجلس العدلي، شكّلت، وفق تقديرات سياسية وأمنية، انتقالاً بالدولة إلى سقف مرتفع في مواجهة الحزب. في المقابل، ردّ حزب الله بتبنٍّ علني للشحنة، في خطوة رفعت مستوى المواجهة ووضعت الدولة أمام تحدٍّ سياسي وأمني مباشر. ولم يبقَ التصعيد في إطار البيانات، إذ انعكس ميدانياً من خلال مداهمة مستودع للذخائر خارج الضاحية الجنوبية. ورغم أن الموقع لم يكن داخل الضاحية، وأن الحزب لم يذهب إلى مواجهة مفتوحة وانسحب بعد حضور الجيش، فإن ما جرى عُدّ مؤشراً إلى اقتراب الأجهزة الأمنية من مناطق نفوذ الحزب من دون التنسيق التقليدي الذي كان يضبط مثل هذه العمليات. وعلى هذا الأساس، لم تعد القضية محصورة بمصير شحنة أو مستودع، بل باتت مرتبطة بحدود ما يمكن للدولة أن تفعله، وبالخطوط التي يعتبر حزب الله تجاوزها مساساً بتفاهمات أمنية وسياسية قائمة. وتشمل هذه التفاهمات آليات التنسيق المتعلقة بتحرك الجيش والأجهزة الأمنية في الضاحية ومناطق نفوذ الحزب. وتشير المعطيات إلى أن حزب الله يتعامل مع المرحلة وفق معادلة تقوم على مقارنة كلفة الصمت بكلفة المواجهة. فإذا بقيت كلفة احتواء ما يعتبره ضغوطاً أو مضايقات أقل من كلفة التصعيد، سيواصل ضبط ردوده؛ أما إذا اقتربت الدولة من سلاحه أو حاولت تغيير التفاهمات الأمنية، فقد ترتفع كلفة الصمت إلى حد يدفعه نحو تحرك عسكري داخلي. وهنا يكمن الخوف الأكبر: في حال اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل، قد لا يتجه حزب الله إلى فتح الجبهة الإسرائيلية، كما حصل في الجولة السابقة، بل قد يوجّه ردّه إلى الداخل اللبناني، في سيناريو يشبه أحداث 7 أيار. وهذا هو الاحتمال الذي يثير القلق الأكبر لدى الجهات السياسية والأمنية، خصوصاً أن أي اشتباك داخلي سيكون أكثر خطورة من فتح جبهة محدودة في الجنوب. ولم يكن الاستنفار الأمني الواسع حول السرايا الحكومية، خلال أزمة المستودع، تفصيلاً عابراً. فقد عكست الإجراءات خشية من أن يكون التوتر مقدمة لتحرك أكبر، أو أن تنزلق التطورات إلى مواجهة شبيهة بما شهدته بيروت في 7 أيار، الأمر الذي دفع الأجهزة إلى رفع جهوزيتها وحماية المراكز الرسمية. وفي موازاة ذلك، علم “ليبانون ديبايت” أن الاجتماع الأمني الأخير الذي عُقد في قصر بعبدا شهد انتقاداً قاسياً من الرئيس عون لمواقف عضو كتلة حزب الله النيابية حسن فضل الله، على خلفية اعتبارها خروجاً عن قرارات الدولة اللبنانية، ولا سيما عندما يتحدث النائب، وفق ما نُقل في الاجتماع، انطلاقاً من توجيهات حزبية تتعارض مع الموقف الرسمي. وبحسب المعلومات، يبدي عون امتعاضاً شديداً من أداء فضل الله، ويرى أن بعض مواقفه تجاوزت حدود الاشتباك السياسي إلى تحدي مرجعية الدولة وقراراتها. ومن هنا، يُبحث في اتخاذ خطوات تبدأ من الجسم السياسي لحزب الله، وقد تمتد إلى المسار القضائي عبر تحريك النيابة العامة التمييزية في ما يتصل بمواقف فضل الله. إلا أن إدخال القضاء في هذه المواجهة سيكون بالغ الحساسية، إذ قد يُفسَّر استدعاء نائب عن حزب الله على خلفية مواقفه السياسية باعتباره تصعيداً سياسياً مقنّعاً، ويعيد طرح سؤال استقلالية القضاء وحدود استخدامه في إدارة الخلافات بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية. وفي هذا السياق، تنفي المعطيات المتداولة عن نقل عناصر حزب الله بين البقاع والجنوب والضاحية، أو إعادة توزيع انتشاراته على نحو استثنائي. فالحزب، بحسب المعلومات، يعتمد توزيعاً مناطقياً واضحاً، بحيث تتولى مجموعات البقاع نطاقها، ومجموعات بيروت نطاقها، ومجموعات الجنوب انتشارها، ولا يجري التعامل مع هذه البنية بطريقة عشوائية أو وفق روايات غير دقيقة. وتبدو الوساطات القائمة محاولة لشراء الوقت، وخفض سقف الخطاب، ومنع انتقال الخلاف من الت