بعد إعلان وقف إطلاق النار في السابع والعشرين من تشرين الثاني عام 2024، بدأت الترتيبات في لبنان بإيعاز خارجي إن لم نقل تدخلاً أميركياً واضحاً لانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة بعد تكليف رئيسها، ففي المرحلة التي تلت العدوان الإسرائيلي الذي لم يتوقف، تشكّلت سلطة في لبنان تتماهى مع المتغيّرات التي أنتجتها الحرب وانعكست على كل المنطقة. كما بات معلوماً أن إعلان وقف إطلاق النار وقتها جاء بعد أن قالت أميركا لإسرائيل إن ما فعلته في الحرب يمكن استكماله بالسياسة، خاصة وأن الجميع يَعلم أن مشكلة سلاح حزب الله بالنسبة لهم لا يتم حلّها بالحرب وإنما بالسياسة، وعلى هذا الأساس تم تشكيل السلطة الجديدة في لبنان التي وقع على عاتقها تنفيذ هذه المهمة، فبدأت الإجراءات وكان أبرزها طريقة تعاملها مع الجمهورية الإسلامية، وأولى القرارات التي اتُخذت هي تعليق الرحلات الجوية من وإلى إيران عبر مطار بيروت الدولي لأجل غير مسمى في شباط 2025، كخطوة أولى في حصار المقاومة ومنع دخول أموال التعويضات وإعاقة خطة إعادة الإعمار لأهلها. الخطوة الثانية التي قامت بها السلطة بعد أن ردّت المقاومة على الإعتداءات الإسرائيلية التي دامت خمسة عشر شهراً في الثاني من آذار من هذا العام، كانت قرار وزير الخارجية في الشهر نفسه بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني وإعلانه “شخصاً غير مرغوب فيه”، مع منحه مهلة حتى التاسع والعشرين من آذار 2026 للمغادرة.. وبغض النظر إن كان هذا القرار قد نُفِّذ أم لا وهو لم يُنفّذ، يُمكن اعتبار أن السلطة ورّطت نفسها به ولم تدرس تداعياته، خاصة بعد أن تماهت الرئاستين معه بدلاً من تداركه. اليوم وبعد كل القرارات والتصريحات التي خرجت عن مسؤولين لبنانيين تجاه إيران ووصلت الى حد التطاول، لا بد أن نتوقف عند رد الفعل الإيراني وكيف تعامل مع السياسة اللبنانية التي ذهبت بعيداً حدّ الإستعداء كما تستعدي في خطابها وسلوكها بيئة المقاومة أي شريحة كبيرة من شعبها. وهنا يمكن القول إن إيران كانت مضطرة لاستيعاب الهجمة وعدم قطع التواصل مع السلطة، خاصة بعد أن بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى أن الجمهورية الإسلامية تعتبر لبنان من ضمن أولوياتها وهذا ما ظهر بوضعه كبند أول في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. تُدرك طهران الواقع اللبناني الطائفي ويُدرك الجميع أن هناك طائفة محسوبة عليها وهي أكدت مِراراً وتكراراً أنها لن تتركها، وتحت هذا العنوان جاءت زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة خلال الشهر الحالي الى لبنان ويظهر ذلك من خلال لقاءاته التي تمحورت ضمن دائرة الحلفاء من استقباله في المطار من قبل حزب الله وحركة أمل إلى زيارة رئيس مجلس النواب والمجلس الشيعي الأعلى واللقاء مع كتلتي الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير، فهذه الزيارة جاءت لطمأنة حليف إيران في لبنان والشد على يده للإستمرار بالصمود بعد التأكيد على قدرتها على المواجهة. يُدرك الإيراني أن الأميركي له مصلحة بأن يكون لبنان خارج نفوذه أو على الأقل إضعافه الى حدّ كبير، ومن الواضح أن الإيراني متمسّك بفكرة أنه شريك في البلد وله مصلحة في البقاء وعدم ترك الساحة اللبنانية، لذا استوعب آداء السلطة بتجاوزه بعض المواقف السلبية تجاهه ومحاولاتها قطع العلاقات الديبلوماسية معه بتكرار تجربة الرئيس أمين الجميل، لكن طهران لم تُعطِها فرصة لتحقيق ذلك، فبقيَ السفير الإيراني وبقيَ معه التواصل مع السلطة عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي وكذلك حصلت لقاءات في نيويورك بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير خارجيته مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته الى بغداد بين عراقجي ورجي، واللافت أن سلام اقترح على الرئيس بزشكيان تغيير السفير الإيراني في لبنان وهذا ما يُفسَّر أنه تراجع في الموقف اللبناني ويُوضَع في سياق حفظ ماء الوجه، بغض النظر عن الرد الإيراني بالموافقة أو الرفض. من الواضح أن الجمهورية الإسلامية تبحث عن مخارج للأزمة مع السلطة اللبنانية كونها تريد حلّها وليس تعقيدها للأسباب التي تم ذكرها، لذا بقيت على تواصل مستمر معها، ومن الواضح أن السلطة تراجعت عن موقفها السابق إن كان بأمور ظهرت بشكل علني أو بمحاولات تواصل مع الإيراني من تحت الطاولة، فمهما حاولت السلطة استضعاف المقاومة في لبنان والطائفة الشيعية لا يمكنها إنكار حضورهم الوازن في البلد وصعوبة تخطيهم، وهذا ما يُدركه الجميع في الداخل والخارج، لذا تستمر طهران بإستيعاب وامتصاص الأزمة ويمكن القول إنها نجحت حتى الآن الى حدّ كبير بتجاوز ما تريده السلطة اللبنانية ومن خلفها أميركا..