بعد تحقيق إنجاز تأجيل الانتخابات كهدف مشترك للطبقة السياسية برمتها، جرى خلال الأسبوع الماضي حوار فلسطيني لافت في القاهرة، شهد تراجع دور وحضور الفصائل الصغرى إثر الحصول على تغطيتها أو استخدامها لتأجيل الانتخابات، بينما أخذ الحوار هذه المرة اتجاهين أساسيين: الأول بين فتح وحماس، مع طرح الأولى وثيقة سياسية على الطاولة وطلب توقيع المكتب السياسي لحماس عليها. أما الثاني، فجرى بين وفد فتح وتيار الإصلاح التابع للقيادي المفصول محمد دحلان، وحصل العكس تقريباً هنا، مع طرح التيار ورقة مطالب على الطاولة من أجل توقيع الرئيس محمود عباس عليها. والغريب أو اللافت أن حوار الطرشان هذا لا يزال متواصلاً بهذه الصورة دون توافق، رغم مرور ثلاث سنوات على نكبة غزة التي لم تنتهِ فصولها، وبعد ثلاثة عقود من حوارات الفصائل بشكلها الراهن. وتُجرى مناقشة وضع أسس للحوار الوطني الجامع، حسب بيان رسمي لحماس، مع تأجيل الجولة القادمة، التي ستكون ثنائية كذلك، إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، أي لأسبوعين على الأقل، بينما لا تزال القاهرة متريثة في الدعوة إلى حوار شامل، نظراً إلى عدم التوصل إلى تفاهمات مبدئية، وكذلك لانشغالها بملفات وقضايا أخرى ضاغطة. وبعد أزمات القرن الأفريقي، تسير العاصمة المصرية باتجاه اتخاذ إجراءات دفاعية لمساندة السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية، وربما هروب جنوني لإيران، مع التهديد بعدوان بري ضد دول الخليج العربي الرافضة أصلاً للتصعيد وغير المنخرطة جدياً في الحرب الإسرائيلية-الأميركية، ثم الأميركية-الإسرائيلية، ضد طهران. إذن، انطلق الحوار الفلسطيني متثاقلاً في القاهرة، مع شعور الطبقة السياسية بتحقيق هدفها المركزي المتمثل بتأجيل الانتخابات، أو للدقة، الهروب من الانتخابات والاستحقاق الديموقراطي. وشهدت هذه الجولة ثلاثة معطيات أساسية تمثلت بغياب الفصائل الصغرى عن الواجهة، وهي الجبهة الشعبية والجهاد، بعد استخدامها كغطاء "وطني" لتمرير تأجيل الانتخابات، بينما بات الحوار ثنائياً، ليس فقط بين حماس وفتح، وإنما بين هذه الأخيرة وتيار القيادي المفصول محمد دحلان، الذي يتصرف كمنتصر في مشهد يكاد يكون سوريالياً بامتياز. الجولة المتثاقلة لا تزال تراوح حول وضع أسس للحوار المقبل، كما قالت حماس في بيان رسمي بدا معبراً عن واقع الحال، وبمثابة استنساخ للمقولة الشهيرة "فسر الماء بعد جهد بالماء"، حيث الخلافات حاضرة حول شكل ومضمون الحوار الجامع، مع رغبة فتح في استبعاد المجموعات الصغرى، ألوية صلاح الدين وكتائب المجاهدين والأحرار، المتحالفة مع حماس، وفي الوقت نفسه إصرارها على دعوة الفصائل الصغيرة، جبهات التحرير والنضال والعربية، الحليفة لها، بحجة أنها ممثلة في منظمة التحرير. يبدو لافتاً، في ظل الهوة الواسعة بين الجهتين، التوافق على حضور الصاعقة والقيادة العامة، رغم اندثار حضورهما الفلسطيني وتحولهما في العقدين الأخيرين إلى أذرع لنظام بشار الأسد الساقط، وبالتالي يُفترض سقوطهما معه كذلك. بالمضمون، وضعت فتح على الطاولة وثيقة، هي ورقة البنود السياسية السبعة للرئيس محمود عباس، التي كنا قرأناها هنا سابقاً، وطلبت من حماس قبولها وتوقيع المكتب السياسي عليها، كشرط لمواصلة الحوار الثنائي، ثم الجامع بين الفصائل. تتضمن وثيقة محمود عباس السياسية سبعة بنود، هي حرفياً: "إنهاء مفرزات الانقلاب في غزة، والالتزام بالنظام الواحد والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد، والالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها كممثل شرعي وحيد للفلسطينيين، والالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية، والالتزام بالحل السياسي المبني على حل الدولتين والمستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وتشكيل حكومة تكنوقراط بقرار من عباس تتولى مهامها في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، والمفاوضات بشأن التوصل إلى اتفاق سلام شامل هي من مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية". قبلت حماس الوثيقة مبدئياً أو نظرياً، ووعدت بدراستها داخل الأطر الحركية، مع تحفظ على بند حل الدولتين، وقبولها بفكرة الدولة الفلسطينية ضمن حدود حزيران/ يونيو 1967، كما جاء في وثيقة الأسرى عام 2006 ووثائق المصالحة اللاحقة لها. هنا يتصرف وفد فتح كمنتصر، بمعنى تفوق روايته وسرديته ورؤيته السياسية، زاعماً أن هذه الشروط ليست حركية وفئوية، إنما تنطلق من المصلحة الوطنية ومواكبة الدعم الدولي للمطالب والحقوق والقضية الفلسطينية العادلة. الشق الآخر من الحوار الثنائي جرى بين فتح وتيار محمد دحلان، ويبدو العكس هنا، ولو شكلاً، حيث يتصرف التيار كمنتصر، في مشهد سوريالي بامتياز، مع وضع وثيقة على الطاولة وطلب موافقة الرئيس محمود عباس عليها وتوقيعه إياها. وتتضمن الوثيقة حصة من المقاعد: 4 في اللجنة المركزية و20 في المجلس الثوري، وعودة مفصولي التيار برتبهم ورواتبهم إلى هياكل الحركة. وزع أحد ال