طوال اثني عشر عاماً، احتفظ السوري خالد عبد الحليم بقطع أثرية حرص على حمايتها من الضياع، قبل أن يقرّر إعادتها إلى متحف الرقة في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. لم يكن ما فعله مجرد تسليم مقتنيات قديمة إلى الجهات المختصة، بل بدا، في رمزيته، محاولة لإنقاذ شيء من تاريخ مدينة أنهكتها سنوات الحرب. فقد حافظ على القطع منذ عام 2014، وغلّفها بعناية، إيماناً منه بأنّ مكانها الطبيعي ليس في حوزته، بل في الذاكرة الجماعية التي تنتمي إليها. القصة التي شهدتها الرقة ليست معزولة عن مشهد عربي أوسع. ففي وقت تستعيد فيه بلدان آثاراً هُرّبت إلى الخارج، لا تزال مواقع تاريخية أخرى تواجه التدمير والإهمال وضغوط العمران. وبين ما يعود وما يختفي، يبرز سؤال يتجاوز حدود المتاحف وعلم الآثار: ماذا تخسر الشعوب حين تفقد الشواهد التي تربطها بماضيها؟ وهل يمكن استعادة الذاكرة بمجرد استعادة الحجارة؟ في منطقة عربية تعاقبت على أرضها حضارات عظيمة، كما تعاقبت عليها حروب ونزاعات وموجات تهجير، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. فخلف كل معبد مهدّم، ومدينة أثرية منهوبة، وبيت قديم اختفى من مكانه، حكاية مجتمع قد يفقد شيئاً من قدرته على التعرّف إلى نفسه. ركام الجامع العمري الكبير في غزة، في مشهد يكشف حجم الخسارة التي أصابت التراث المعماري. (UltraSawt) حين تغيب الآثار... ماذا يبقى من الهوية؟ بالنسبة إلى الدكتورة ندى كلّاس، الباحثة في علم الآثار ورئيسة قسم الآثار في الجامعة اللبنانية، لا تتشكّل الهوية دفعة واحدة، بل تنمو عبر تراكمات من التجارب والعادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف والمظاهر الثقافية والفنية. وفي هذا المسار، تؤدّي الآثار دوراً أساسياً، لأنها تمنح الذاكرة حضوراً مادياً يستطيع الإنسان أن يراه ويلامسه ويتفاعل معه. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المجتمعات العربية، حيث لا يمكن قراءة الهوية بمعزل عن الحضارات المتعاقبة التي مرّت على الأرض وتركت آثارها فيها. أعمدة تدمر التاريخية عند الغروب. (RNZ) في هذا السياق، يلفت الأب يوسف رامي فاضل، الطالب المتخصّص في علم الآثار، إلى أنّ الهوية اللبنانية، مثلاً، لا يمكن اختزالها بانتماء حضاري واحد، فينيقياً كان أم عربياً. إنها هوية مركّبة، تكشف طبقاتها الأثرية عن تعاقب حضارات وثقافات، من الفينيقية إلى الرومانية والبيزنطية والعربية.ولا تقتصر أهمية هذه الطبقات على إثبات وجود الحضارات القديمة، بل تكشف أيضاً تفاصيل الحياة اليومية، من الفنون واللغات إلى الأدوات والتقنيات وطرق العيش. فالآثار، كما يشرح فاضل، تمنح الروايات التاريخية سنداً علمياً، وتتيح إعادة النظر في بعض ما نعتقد أننا نعرفه عن الماضي. قطعة أثرية برونزية بين يدي أحد العاملين في المتحف الوطني بدمشق، ضمن آثار استعادتها سوريا من الولايات المتحدة. (وكالة الأناضول) خلال أيلول/سبتمبر الماضي، تسلّم لبنان في نيويورك ثلاث قطع من توابيت رصاصية تعود إلى العصر الروماني، يُعتقد أنها سُرقت من حفريات غير شرعية في منطقة صور. وفي الشهر نفسه، سلّم لبنان إلى مصر 37 قطعة أثرية فرعونية كانت السلطات اللبنانية قد ضبطتها قبل سنوات. أما سوريا، فتسلّمت في نيويورك 36 قطعة أثرية، بينها منحوتة جنائزية من تدمر وقطع فسيفسائية تاريخية، بعد تحقيقات في الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية. تحمل هذه الوقائع جانباً مضيئاً في معركة حماية التراث، لكنها تكشف أيضاً حجم الخسارة التي تسبق كل عملية استرداد. فالقطعة التي تُنتزع من موقعها لا تفقد مكانها الجغرافي فحسب، بل قد تفقد أيضاً جزءاً من المعلومات التي تتيح فهم تاريخها وعلاقتها بمحيطها. في المقابل، تعكس غزة وجهاً أشدّ قسوة لهذه الخسارة. فقد أشارت منظمة اليونسكو، في تقرير نشرته في 15 تشرين الأول/أكتوبر، إلى أضرار موثّقة طاولت 164 موقعاً من مواقع التراث الثقافي في القطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وهي خسارة لا تختزلها الأرقام، إذ إنّ وراء المباني التاريخية والمساجد والأسواق القديمة حياة اجتماعية وذاكرة مكان تشكّلت عبر قرون. الأضرار التي لحقت بقصر الباشا التاريخي في مدينة غزة، أحد الشواهد المعمارية على تاريخ المدينة. ومن تدمر السورية، حيث دُمّر معبد بل عام 2015، إلى الموصل العراقية، التي شهدت إعادة إعمار معالم بارزة، بينها جامع النوري ومنارته الحدباء، يتكرّر سؤال الترميم: هل يكفي أن نعيد بناء ما تهدّم كي نستعيد ما فُقد؟ تصف كلّاس ما يصيب التراث في الحروب بأنه "مجزرة ثقافية"، مشيرةً إلى أنّ التدمير قد يتجاوز المباني الظاهرة ليطاول الطبقات الأثرية المدفونة تحت الأرض. وفي بعض النزاعات، ترى أن محو المعالم التاريخية قد يكون جزءاً من محاولات محو ذاكرة الشعوب وهويتها.وتستحضر مثالاً بسيطاً: كيف يستطيع إنسان أن يتخيّل طاحونة كانت موجودة في قريته إذا لم يشاهدها يو