"من أكثر جنسية زعلانة على الأحداث والاحتجاجات في فرنسا"؟، سؤال ساخر عبر منصة "إكس"، اختصر سجالا اشتعل بين لبنانيين ومستخدمين من جنسيات عربية وإفريقية: لبنانيون يدينون التخريب والسرقة في شوارع فرنسا خلال احتجاجات باريس، وآخرون يتهمونهم بالمزايدة على الفرنسيين أنفسهم في حبّ "أمّهم الحنون". لكن السجال تجاوز إدانة العنف إلى المقارنة بين "نوعية" المهاجرين. فبعض اللبنانيين وجدوا في مشاهد الشغب فرصة لإبراز تمايزهم عن مهاجرين آخرين، مستنكرين رفض طلبات تأشيراتهم: كيف تُغلق الأبواب أمامنا، نحن الذين نحبّ فرنسا ولا نخرّب شوارعها؟ "الحبّ" وحده لا يفتح أبواب السفارات، فيما تلقي الحرب وتداعياتها على الاستقرار اللبناني بثقلها على ملفات التأشيرات. ففي حديث لـ"نداء الوطن"، يكشف صاحب مكتب لطلبات التأشيرات تراجعًا في قبول الملفات اللبنانية بعد الحرب الإسرائيلية عام 2024، بل وعن حالات لم تعتبر فيها سفارات أوروبية أملاكًا في الجنوب ضمانة كافية للعودة. فلماذا يتمايز بعض اللبنانيين في حبّ فرنسا عن جنسيات مهاجرة أخرى؟ وما علاقة الحرب برفض طلبات تأشيراتهم، بعيدًا عن مشاعرهم تجاه "الأم الحنون"؟ طلاب لبنان في فرنسا: خارج الاحتجاجات! لكن مواقف اللبنانيين لم تقتصر على السوشال ميديا. ومن أبرز المواقف على صعيد اللبنانيين في فرنسا، كانت دعوة رئيس لجنة الطلاب اللبنانيين في فرنسا عمر الخولي إلى "عدم المشاركة في الاحتجاجات والحفاظ على احترام القوانين والأنظمة الفرنسية"، معبّرًا عن أن "الحق في التظاهر والتعبير عن المطالب الاجتماعية والنقابية لا يبرر اللجوء إلى العنف أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة". ويكتسب هذا الموقف أهمية من أن أصل الاحتجاجات الفرنسية بدأ باحتجاجات طلابية على النظام التعليمي الفرنسي، أي أن اللبنانيين كطلاب لم يشاركوا في الاحتجاجات منذ اندلاعها، أقلّه على المستوى التنظيمي والتصريحات الرسمية. السوشال ميديا: اللبناني "مولّعها"! المواقف اللبنانية لم تقتصر على المعنيين مباشرة بالعيش في فرنسا من أصول لبنانية. إذ تشتعل السوشال ميديا منذ أيام بين لبنانيين وجزائريين ومغاربة وجنسيات أخرى، حول أسباب إظهار لبنانيين موقفهم الحاد الرافض للعنف في الاحتجاجات. اللبنانية سارة كنج قالت في فيديو: "قديه بدو يكون الواحد بيكره فرنسا.. قديه هو مؤذي ليقدر يعمل اللي عملوه مبارح"؟ الفيديو تخطّى الـ200 ألف مشاهدة، وحصد تعليقات شاتمة، ما دفعها لنشر فيديو آخر، قالت فيه: "مستحيل تحب فرنسا إذا بتكسر وبتحرق وبتسرق هيدا أذى وانتقام". اللبنانية ستيفاني قرداحي شاركت فيديو يعبّر عن عنف الاحتجاجات في باريس، غامزة من قناة غياب اللبنانيين عن التظاهرات، وسألت كيف تُرفض تأشيرات اللبنانيين إلى فرنسا، بمعنى أنهم هم الذين لا يقومون بأعمال شغب في فرنسا وتُرفض طلبات تأشيراتهم. أما نانسي الحاج، فكتبت: "نحنا بلبنان وقت التظاهرات مذوقين أكتر من الشعب الفرنسي ما منسرق متل ما عم بصير بفرنسا، بس الشغلة الحلوة إنه كلن نازلين على الشارع ضد الوضع المعيشي والغلا عندن، نفس الشي متل عنا". هكذا انتقد اللبناني نفسه أيضًا بالسكوت عن الأوضاع المعيشية الصعبة اليوم. تعليق لإحدى المغرّدات من جنسية عربية، قالت فيه: "اللبنانيون عبيد فرنسا... بيشتموا المهاجرين وانهم همج وسبب العنف". هكذا تعليقات جوبهت بردود لبنانية جاء فيها: "اللي بلا أصل مزعوج من اللبناني اللي عم بيدافع عن الحضارة، بأي بلد كان". تعليق آخر جاء فيه: "عمرك ما تعض الإيد لي تمتد لك كيف اذ كانت فرنسا لي فضلها عل بلدي وطني الحبيب لبنان". فما هي الأبعاد الاجتماعية لتمايز جزء كبير من اللبنانيين في حبّهم لفرنسا، بمعنى التأييد الدائم للنظام بالحد الأقصى، أو رفض احتجاجات يتخلّلها تكسير وشغب بالحد الأدنى؟ الدكتور بول طبر، في تفسيره للتمايز اللبناني عن بقية الجنسيات المهاجرة تجاه الاحتجاجات الفرنسية اليوم، يوضح أن "العلاقة التاريخية بين نشوء فكرة لبنان والكيان الفرنسي، انعكست نوعًا من التعاطف غير المشروط لمن هم امتداد لهذا النظام، سيّما البيئة المارونية السياسية". وعلى صعيد التمايز عن المحتجين، مردّه برأيه إلى بُعدين اثنين. أوّلا، البعد التاريخي للتعاطف غير المشروط. وثانيًا، نوعية الهجرة اللبنانية إلى فرنسا، مقارنة بنوعية الهجرة اللبنانية مثلا إلى أستراليا، وهي من خلفيات اجتماعية واقتصادية أكثر تواضعًا. فغالبية اللبنانيين في فرنسا هم طلاب ومن الطبقة الوسطى، ما يوفّر لهم الشرط الاجتماعي الاقتصادي ليكونوا إلى جانب النظام في فرنسا لا إلى جانب معارضيه. ويشدّد طبر في المقابل على أن الفعل غير القانوني للتكسير والسرقة والحرق ليس معزولا عن الشروط الحياتية التي يعيشها المحتجون والمشاغبون، فكلام الشارع الأوروبي يتمحور حول غلاء المعيشة الفاحش