لبنان بين صراع الهويات ومخاطر الحرب:؟ 21 تشرين الأول 2026 · 01:31 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط تقف المنطقة برمّتها على صفيح ساخن، فيما تترقّب دولها مسار المواجهة الأميركية الإيرانية، التي تتجاوز تداعياتها حدود طرفي الصراع لتطال أمن الخليج العربي واستقرار الشرق الأوسط بأسره. وفي خضم هذا المشهد، يرفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، عشية الاستحقاقات الانتخابية، سقف تهديداته تجاه إيران، ملوّحاً، في الوقت نفسه، بتوجيه ضربة قاسية إلى حزب الله إذا ما قرّر الانخراط مجدداً في أي مواجهة عسكرية إلى جانب طهران. لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من أزماته المتراكمة، يجد نفسه مرة أخرى أمام احتمالات مفتوحة على التصعيد، في وقت شهدت فيه الساحة السياسية نشاطاً ديبلوماسياً مكثّفاً، عكس حرص الدول الصديقة على دعم الدولة اللبنانية وتعزيز سلطتها، بما يضمن حصرية قرار السلم والحرب بيد المؤسسات الشرعية. وقد اكتسب هذا الحراك أهمية إضافية في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة، من توقيف شحنة متفجرات في ضهر البيدر إلى الاستعراضات التي شهدتها شوارع بيروت، بما أعاد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بسلطة الدولة، وحدود نفوذ القوى المسلحة، ومخاطر تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وفي موازاة ذلك، تتحدث أوساط ديبلوماسية عن تحذيرات من مغبّة انخراط حزب الله في جولة مواجهة جديدة دعماً لإيران، في ظل تهديدات إسرائيلية توحي بأن أي حرب مقبلة قد تكون أكثر اتساعاً وأشد تدميراً من سابقاتها. فتل أبيب قد تجد في أي تدخل للحزب ذريعة لتوسيع نطاق عملياتها، مستهدفةً بنيته العسكرية وأنفاقه ومنشآته، وربما من دون الالتزام بالقيود الجغرافية التي حكمت بعض المواجهات السابقة. وفي مثل هذا السيناريو، قد تدفع الضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى ثمناً باهظاً، فيما يتحمّل المدنيون العبء الأكبر من حرب لا يملكون قرار إشعالها أو إيقافها. لكن المفارقة الأكثر إيلاماً أن لبنان، في مواجهة هذه الأخطار الوجودية، لا يزال غارقاً في انقساماته الطائفية والسياسية، وفي تضارب الأولويات والرؤى بشأن هويته الوطنية وموقعه في محيطه. وكأن اللبنانيين ينتمون إلى بلدان مختلفة، لا إلى وطن واحد يجمعهم تاريخ مشترك ولغة وثقافة وذاكرة جماعية، على الرغم من تنوّعهم الديني والاجتماعي. فالتنوّع، في ذاته، ليس مصدر ضعف؛ إنما تكمن المعضلة حين يتحوّل إلى جزر معزولة، وتصبح الطائفة بديلاً من الدولة، والولاءات العابرة للحدود مقدّمةً على المصلحة الوطنية. وفي هذا السياق، تكتسب أفكار الكاتب اللبناني أمين معلوف، الواردة في كتابه «الهويات القاتلة»، راهنيّة استثنائية. فهو ينطلق من فكرة جوهرية مفادها أن الهوية ليست انتماءً واحداً مغلقاً، بل حصيلة انتماءات متعددة تتكامل في تشكيل شخصية الإنسان. ويعبّر عن هذه الفكرة بقوله: «الهوية مؤلفة من انتماءات متعددة، ولكن لا بد من التأكيد كذلك أنها واحدة، وأننا نعيشها بكليتها». ولعلّ هذه الفكرة تختصر جانباً أساسياً من مأزق لبنان: فالمطلوب ليس إلغاء الانتماءات الدينية أو الثقافية أو الطائفية، بل منعها من التحوّل إلى هويات متناحرة تتقدّم على الانتماء الوطني. وحين نحصر الآخر في طائفته أو مذهبه أو موقفه السياسي، نغلق أبواب الشراكة الوطنية، ونحوّل الاختلاف من مصدر غنى إلى وقود للصراع. ولا تقتصر هذه الإشكالية على لبنان. فما تشهده بعض المجتمعات الأوروبية، ومنها فرنسا وإيطاليا، من توترات اجتماعية وأعمال شغب يطرح أسئلة جدية حول سياسات الاندماج، وتكافؤ الفرص، وقدرة المؤسسات على احتضان المهاجرين. فالاندماج ليس مسؤولية الدولة المضيفة وحدها، ولا يقع عبئه على المهاجرين وحدهم؛ بل هو مسار متبادل يتطلّب احترام القانون، والاعتراف بالتنوّع، وتكافؤ الحقوق والواجبات، والاستعداد للانخراط في المجتمع من دون إلغاء الخصوصيات الثقافية أو تحويلها إلى جدران تفصل بين أبنائه. وإذا كانت الدول التي تمتلك مؤسسات راسخة تواجه صعوبات في إدارة تعدّد الهويات، فكيف بلبنان، حيث لم تُحسم بعد العلاقة بين المواطنة والانتماء الطائفي، ولا بين قرار الدولة وحسابات القوى السياسية والعسكرية؟ إن اللحظة الراهنة لا تحتمل ترف الانقسامات ولا أوهام الانتصارات التي تُبنى على أنقاض الوطن. فالحروب قد تُغيّر موازين القوى، لكنها لا تصنع بالضرورة سلاماً دائماً، كما أن العنف، مهما بدا للبعض وسيلةً لتحقيق المكاسب، قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. فهل نتعلّم أخيراً من دروس الماضي أن الأوطان لا تُحمى بتغليب هوية على أخرى، ولا باحتكار قرار الحرب، بل ببناء دولة يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء فيها؟ وهل يدرك اللبنانيون أن المركب واحد، وأنه إما أن يغرق بالجميع، وإما أن يصل بهم إلى برّ الأمان؟