هل استكمال السلطة التشريعية بمجلس شيوخ طائفي يحرّر لبنان من نظام الامتيازات والمحاصصة الطائفية؟ د. سمير حسن عاكوم 21 تشرين الأول 2026 · 01:24 ص قراءة في 8 دقائق حجم الخط ليست المشكلة اللبنانية في تعدّد الطوائف ولا في اختلاف اللبنانيين في معتقداتهم وانتماءاتهم بل في النظام السياسي الذي حوّل هذا التنوّع من مصدر غنى إنساني واجتماعي إلى أداة لتوزيع السلطة والامتيازات، وربط حقوق المواطنين بمواقع الزعماء ونفوذ الأحزاب وحسابات القوى الخارجية. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نحافظ على التوازن الطائفي بل كيف ننقل هذا التوازن من منطق الصراع على الدولة إلى منطق المشاركة في بنائها. في هذا السياق يكتسب استكمال السلطة التشريعية بمجلس شيوخ تتمثّل فيه العائلات الروحية بالتوازي مع انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي أهمية دستورية تتجاوز مجرد إنشاء مؤسسة جديدة. فنحن أمام محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الانتماء الطائفي والمواطنة وتحديد وظيفة كل منهما ضمن دولة تحكمها المؤسسات والقوانين لا تفاهمات أصحاب النفوذ ومصالحهم المتبدّلة. حدّد اتفاق الطائف مساراً إصلاحياً واضحاً حين نصّ على استحداث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية، بالتزامن مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني غير طائفي. كما أكدت المادة 95 من الدستور أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي ينبغي تحقيقه وفق خطة مرحلية. غير أن هذا المسار بقي غير مكتمل فاستمر التمثيل الطائفي داخل المجلس النيابي، وبقيت المنافسة الانتخابية محكومة بحسابات التوازنات المذهبية والتحالفات السياسية التي تتبدّل بحسب المصالح والظروف، وهكذا ظلّ المواطن يُستدعى إلى صندوق الاقتراع بوصفه جزءاً من جماعة مهدّدة أكثر مما يُعامل بوصفه صاحب حق في اختيار ممثليه ومحاسبتهم على أدائهم. إن استحداث مجلس الشيوخ وفق الرؤية المقترحة لا يعني تكريس الطائفية السياسية إلى أجل غير مسمّى بل يهدف إلى إعادة تحديد مجالها الدستوري، عبر نقل تمثيل العائلات الروحية إلى مؤسسة متخصصة بالقضايا المصيرية وفتح المجال أمام مجلس نيابي يمثّل المواطنين على أساس وطني ويتولى التشريع والرقابة على الحكومة ومتابعة السياسات العامة. بهذا المعنى لا يقوم الإصلاح على إنكار الطوائف أو تجاهل المخاوف المرتبطة بوجودها بل على معالجة هذه المخاوف مؤسساتياً، بحيث لا تبقى رهينة التعبئة الانتخابية الدائمة ولا مادةً لتجديد شرعية الزعامات الطائفية. يقترح المشروع إنشاء مجلس شيوخ من 33 عضواً يعتمد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين مع تمثيل الطوائف وفق توزيع محدّد، وانتخاب ممثلي كل طائفة على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة. ويتولى المجلس النظر في القضايا المصيرية ولا سيما العلاقات الخارجية والسياسة الدفاعية وتعديل الدستور وفق صلاحيات وآليات يحددها القانون الدستوري المنظّم لعمله. تقوم الفكرة على مبدأ جوهري عندما تجد الجماعات اللبنانية ضماناتها ضمن مؤسسة دستورية واضحة يصبح من الممكن تخفيف توظيف المخاوف الوجودية في المنافسة على المقاعد النيابية والإدارات العامة والموارد الاقتصادية. لكن نجاح هذا المجلس لا يتوقف على تركيبته العددية وحدها بل على طبيعة صلاحياته وحدودها، فإذا تحوّل إلى غرفة ثانية تتدخل في كل تفصيل تشريعي أو إداري فقد يضيف طبقة جديدة من التعطيل إلى النظام القائم. أما إذا حُصرت صلاحياته بالقضايا المصيرية مع تعريف دقيق لهذه القضايا ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرارات فإنه يستطيع أن يؤدي وظيفة الضمانة من دون أن يتحوّل إلى سلطة موازية تعرقل عمل المؤسسات الأخرى. كذلك فإن اعتماد أكثرية الثلثين في المسائل المصيرية حيث ينص القانون على ذلك يمكن أن يشجّع التوافق الواسع ويحول دون انفراد فريق واحد بالقرار. غير أن هذه الآلية تحتاج إلى ضوابط تمنع تحويل التوافق إلى حق تعطيل دائم وتضمن وجود مسارات دستورية لمعالجة الخلافات عند تعذّر الاتفاق، فالغاية ليست أن تنتصر طائفة على أخرى بل أن يصبح القرار الوطني محكوماً بقواعد معلومة وأن تكون حماية التنوّع جزءاً من حماية الدولة نفسها. إذا كان مجلس الشيوخ يتولى ضمان التوازن في القضايا المصيرية فإن المجلس النيابي ينبغي أن يتحرر من وظيفة التمثيل الطائفي ليتفرغ لوظيفته الوطنية. يقترح المشروع البدء بمجلس نيابي من 108 أعضاء ثم الانتقال إلى 75 عضواً خارج القيد الطائفي في مرحلة لاحقة، بالتوازي مع استكمال اللامركزية الإدارية وإعادة تنظيم الإدارة العامة. كما يقترح توزيع الدوائر الانتخابية على 12 محافظة واعتماد النظام النسبي واللوائح المقفلة وفق قواعد تستهدف تحقيق التوازن في التمثيل الجغرافي. لا تكمن أهمية هذا التوجه في عدد النواب بحد ذاته بل في إعادة تعريف مهمتهم، فالنائب الذي يستمد شرعيته من المواطنين