لم يعد شراء غرض جديد عند تعطل قطعة منزلية أو شخصية خياراً متاحاً لكثير من العائلات الفلسطينية في مخيم نهر البارد شمالي لبنان، وكذلك في معظم المخيمات الفلسطينية، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتقلّص فرص العمل والمساعدات. من الغسالات والبرادات إلى الأحذية والحقائب والأدوات الكهربائية والسيارات، صار إصلاح الموجود وإطالة عمره الوسيلة الأكثر واقعية أمام أسر تحاول تأجيل كلفة الشراء، حتى عندما لا يكون الإصلاح أقل كلفة في جميع الحالات. في المخيم، لا تتعلق المشكلة بسعر السلع الجديدة فحسب، وإنما بقدرة العائلات على تأمين ثمنها من الأساس. فتعطل غسالة أو توقف ثلاجة عن العمل، أو حاجة مروحة وخلاط إلى قطعة تبديل، تتحول إلى عبء إضافي على أسر تكافح لتأمين الخبز والحليب واحتياجات أطفالها، فيما تتراجع مساحة الإنفاق على ما هو خارج الضروريات اليومية. تروي عزيزة وهبة، من أهالي مخيم نهر البارد، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أنها اضطرت إلى محاولة إصلاح غسالتها أكثر من مرة، قبل أن تجد نفسها عاجزة عن تحمل كلفة إصلاحها. وتقول: إن توفر السيولة اللازمة كان سيدفعها إلى شراء غسالة جديدة بدلاً من تكرار محاولات الإصلاح، لكن الواقع الاقتصادي يفرض عليها البحث عن أي حل ممكن لإبقاء ما لديها قيد الاستخدام. ولا تقتصر هذه المعادلة على الأجهزة المنزلية، إذ صارت العائلات تتعامل مع معظم مقتنياتها بمنطق "إصلاح ما يمكن إصلاحه"، وتأجيل شراء البديل إلى أقصى حد ممكن. "مجرّح ولا مقتول".. حتى الملابس تخضع للمعادلة لم تسلم الملابس والأحذية والحقائب من هذا الواقع، فمع ارتفاع أسعار الملابس، تضطر عائلات كثرة إلى توزيع المبلغ المتاح على أفراد الأسرة بدلاً من إنفاقه على قطعة واحدة، فيما أصبح إصلاح الملابس القديمة وترقيعها وسيلة لإطالة عمرها. وتختصر عزيزة وهبة حال كثير من الأسر بمثلين شعبيين:"مجرّحة ولا مقتولة، ومرقّعة ولا عريانين"، في تعبير عن واقع يفرض على الناس التمسك بما لديهم مهما تراجع حاله، لأن شراء البديل الجديد بات خارج القدرة المالية لكثير منهم. من الثلاجة إلى السيارة.. كلفة الإصلاح نفسها ترتفع يشير عمر حسن، أحد أبناء المخيم، إلى أن أسعار الأجهزة المنزلية أصبحت عائقاً أمام العائلات، لافتاً إلى أن سعر البراد قد يصل إلى مئات الدولارات، في وقت تكافح فيه الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء واحتياجات الأطفال. ولا تقتصر الضغوط على المستهلكين، بل تمتد إلى أصحاب مهن الإصلاح أنفسهم، فصاحب محل التصليح يحتاج إلى دفع أجور العمال وتأمين قطع الغيار والإيجار والاشتراكات، في وقت يأتيه زبون قد لا يستطيع دفع كلفة إصلاح عطل بسيط. ويقول محمد صبحي، مصلّح الأدوات الكهربائية في المخيم: إن بعض عمليات الإصلاح لا تتجاوز كلفتها 15 أو 20 دولاراً، إلا أن هذا المبلغ بات صعب التأمين بالنسبة إلى بعض الزبائن، ويوضح أن الأزمة تضرب طرفي المعادلة، فالزبون عاجز عن دفع الكلفة، فيما يواجه صاحب المصلحة ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع قدرة الناس على الإنفاق. "الإصلاح" مهنة أمام أزمة مزدوجة في المقابل، يلاحظ محمد السيد، وهو سكافي من مخيم نهر البارد، ارتفاع عدد الأشخاص الذين يقصدون محله لإصلاح الأحذية والحقائب بدلاً من شراء بدائل جديدة. ويقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن الزبون الذي كان يلجأ سابقاً إلى شراء قطعة جديدة بات يفضل دفع مبلغ أقل لإصلاح القديمة واستخدامها لفترة إضافية، مشيراً إلى أن المسألة بالنسبة إلى كثير من العائلات لم تعد مجرد رغبة في التوفير، وإنما نتيجة مباشرة لعدم امتلاك المال الكافي لشراء الجديد. الأمر ذاته يلمسه علاء البشير، مصلّح الأدوات الكهربائية في المخيم، الذي يؤكد اتساع هذا التوجه، مشيراً إلى أن غالبية زبائنه يقصدونه لإصلاح المراوح والخلاطات وغيرها من الأدوات التي قد لا ينفع معها التصليح، بدلاً من استبدالها بأخرى جديدة. تراجع القدرة الشرائية يعيد تشكيل عادات الاستهلاك يكشف انتشار ثقافة الإصلاح عن تحول واضح في أنماط الاستهلاك داخل المخيم، إذ لم يعد قرار شراء غرض جديد مرتبطاً بحاجته أو بقدم الغرض فقط، بل أصبح مرتبطاً أولاً بقدرة الأسرة على تحمّل كلفته. ففي أحدث تقرير لها، وثقت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد" أن أكثر من 85% من العائلات الفلسطينية في المخيمات بلبنان تعيش تحت خط الفقر، وتعتمد على المساعدات الإنسانية أو التحويلات المالية من الخارج لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها، في ظل تفشٍّ غير مسبوق للبطالة، خصوصاً بين صفوف الشباب. ومع ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل والمساعدات، تضع عائلات كثيرة تأمين الضروريات اليومية في مقدمة أولوياتها، فيما تؤجل النفقات الأخرى، حتى عندما تكون مرتبطة بأعطال أساسية في المنزل. وهكذا، يتحول الإصلاح تدريجياً من خيا