جنوب لبنان والتوسّع الصهيوني: مخاوف دو كيه عام 1920 21 تشرين الأول 2026 · 01:04 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط في مرحلة رسم حدود لبنان الكبير، برز في التفكير الفرنسي سؤال يستحق العودة إليه: ما مصير سكان الجنوب الشيعة إذا تُركوا في كيان صغير ومعزول، بمحاذاة فلسطين التي كان المشروع الصهيوني يتشكّل فيها؟ لم يكن هذا السؤال قراءة لاحقة للأحداث، بل طرحه روبير دو كيه، أحد أبرز منظّري السياسة الفرنسية في المشرق، في مذكرة مؤرخة في 17 تموز 1920، يعرضها جيرار خوري في كتابه «وصاية استعمارية». ينقل خوري أن دو كيه، عند بحث حدود لبنان، تناول مسألة ضمّ سنجق صيدا، وأشار إلى معارضة رجال الدين الموارنة إدخال ثمانين إلى تسعين ألفاً من «المتاولة»، أي الشيعة، لما قد يحدثه ذلك من تغيير في التوازن الطائفي. ومرّ بفكرة إنشاء دولة صغيرة لهم، لكنه أثار وجود أقلية مسيحية، ثم أضاف اعتراضاً يتصل مباشرة بالمشروع الصهيوني. يقول دو كيه، في ترجمة للنص الفرنسي: «ولكن قد تكون هناك محاذير في ترك هذه الجماعة الصغيرة، المؤلّفة من عنصر ضعيف التماسك، معزولةً، حتى تحت رقابتنا، على تماسّ مع فلسطين الصهيونية التي تُظهر، حتى قبل قيامها، حرصاً على التوسّع الاقتصادي، وبصورة عامة، نزعة توسعية». تكمن أهمية هذا النص في أن صاحبه أدرك مبكراً العلاقة بين ضعف الكيان السياسي وقابليته للتأثر بمشروع توسّعي مجاور. فالمسألة، في نظره، لم تكن مجرد ترسيم حدود أو توزيع طوائف، بل كانت أيضاً تقديراً لموازين القوة. وقد رأى أن الرقابة الفرنسية نفسها لا تُزيل محاذير ترك هذه الجماعة في عزلة. ويلفت النظر أن دو كيه ذكر التوسّع الاقتصادي تحديداً، ثم انتقل إلى وصف نزعة توسعية أعمّ. وهذا يفتح باباً لقراءة النفوذ بوصفه عملية لا تقتصر على العمل العسكري؛ فالاقتصاد قد يصبح وسيلة لاستتباع منطقة ضعيفة وربط مصالحها بمركز أقوى منها. لكن النص لا يحدد هنا أدوات ذلك التوسّع أو حدوده، ولا يجوز تحميله تفاصيل لم يتضمنها. مع ذلك، فإن اعتبار دو كيه مدافعاً عن العرب في مواجهة الصهيونية سيكون قراءة ناقصة. ففي موضع آخر من الكتاب، ينقل خوري عنه تفضيله بقاء الموصل ضمن المجال البريطاني وترك فلسطين للصهيونيين، بما يُبقي العالم العربي منقسماً، على قيام دولة عربية كبيرة ولو بدت خاضعة للنفوذ الفرنسي. الجمع بين الموقفين يكشف منطقاً استعمارياً واضحاً: قبول المشروع الصهيوني حين يخدم تفتيت المجال العربي، والتحسّب من امتداده حين يقترب من المجال الذي تريد فرنسا إخضاعه لنفوذها. ومن هذا المنظور، يمكن فهم قلقه على شيعة الجنوب باعتباره متصلاً بحسابات السيطرة الفرنسية، إلى جانب إدراكه هشاشة وضعهم في كيان منفصل. ولا تثبت هذه الصفحات أن الخشية من الصهيونية كانت السبب الوحيد لضمّ الجنوب إلى لبنان، لكنها تكشف أنها حضرت صراحةً في تفكير أحد أبرز مهندسي السياسة الفرنسية، إلى جانب الاعتبارات الطائفية والاقتصادية والإدارية. بعد أكثر من قرن، تبقى قيمة الوثيقة في السؤال الذي تطرحه: ماذا يحدث لجماعة أو منطقة حين تُعزل سياسياً وتُترك ضعيفة بجوار قوة تسعى إلى التوسّع؟ والدرس الذي يمكن استخلاصه اليوم هو أن أمن الجنوب شأن لبناني جامع؛ فحماية السكان والأرض تحتاج إلى دولة قادرة، وتضامن وطني، واقتصاد يتيح لأهل المنطقة البقاء فيها بكرامة. أما الحماية الخارجية، فتبقى رهينة مصالح أصحابها، كما تكشف كلمات دو كيه نفسها.