في ظل الاستدعاءات التي ما زلنا نشهدها بحق صحافيين وناشطين وأصحاب رأي على خلفية قضايا تتعلق بالنشر والتعبير، وبعد دخول قانون الإعلام الجديد حيّز التنفيذ، تبرز تساؤلات أساسية حول كيفية تعامل الجهات القضائية مع هذه القضايا، ولا سيما تلك التي لم تعد تشكّل جرائم بموجب القانون الجديد، وحول مصير الشكاوى والملاحقات العالقة أمام القضاء. في هذا السياق، نشرت مؤسسة مهارات قراءة قانونية جديدة أعدّها الدكتور طوني مخايل، تتناول الإشكاليات القانونية والإجرائية التي يطرحها تطبيق قانون الإعلام رقم 69/2026، في ضوء الأحكام الانتقالية التي نصّ عليها، وبالتزامن مع صدور قانون العفو العام رقم 70/2026، وما يترتب على ذلك من آثار على الدعاوى والملاحقات القائمة. وتؤكد القراءة أن الإصلاح الذي أقرّه قانون الإعلام لا يقتصر على إلغاء محكمة المطبوعات أو تعديل الاختصاص القضائي، بل يشكّل تحولاً جوهرياً من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية في قضايا القدح والذم التي يشملها القانون، مع الإبقاء على التجريم في حالات محددة تستوفي الشروط القانونية، ومنها التحريض على العنف وبعض حالات نشر الأخبار الكاذبة. وتشير القراءة إلى ضرورة التمييز بين ثلاث حالات عند معالجة الدعاوى العالقة: الأفعال التي زالت عنها الصفة الجرمية بموجب قانون الإعلام الجديد، والتي يقتضي إنهاء الملاحقة الجزائية بشأنها، بصرف النظر عن تاريخ ارتكابها، عملاً بمبدأ القانون الجزائي الأصلح. الأفعال التي بقيت مجرّمة لكنها مشمولة بالعفو العام، إذا ارتُكبت قبل الأول من آذار 2026 ولم تندرج ضمن الاستثناءات القانونية، ما يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة. الأفعال التي بقيت مجرّمة ولا يشملها العفو العام، والتي تبقى خاضعة للملاحقة الجزائية عند توافر شروطها القانونية. كما تسلّط القراءة الضوء على الإشكاليات التي تطرحها المادة 117 من قانون الإعلام، ولا سيما لجهة الإحالة الإدارية للشكاوى العالقة أمام النيابات العامة إلى المحكمة المختصة، وكيفية التعامل مع الدعاوى القائمة أمام قضاة التحقيق ومحاكم الحكم، بما فيها محكمة المطبوعات خلال المرحلة الانتقالية. وتشدّد مهارات على أن تحديات الإجراءات الانتقالية لا يجوز أن تشكّل مبرراً لاستمرار ملاحقات جزائية عن أفعال لم تعد مجرّمة. وفي المقابل، تؤكد القراءة ضرورة الحفاظ على حقوق المتضررين في المطالبة بالتعويض أمام المرجع القضائي المختص، سواء انتهت الملاحقة الجزائية نتيجة زوال الصفة الجرمية أو بفعل العفو العام. وتدعو مؤسسة مهارات إلى اتخاذ التدابير القضائية والتنظيمية والإدارية اللازمة لضمان تطبيق واضح للأحكام الجديدة، ومعالجة مصير الدعاوى العالقة بما يحترم استقلال القضاء، ويضمن حقوق الدفاع والمتقاضين، ويحول دون إفراغ الإصلاح التشريعي من مضمونه. وترى مهارات أن الاختبار الحقيقي لقانون الإعلام الجديد يبدأ اليوم في الممارسة القضائية، إذ لا يكفي إقرار الانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المدنية على مستوى النصوص، بل يجب أن ينعكس فعلياً على طريقة التعامل مع قضايا النشر والتعبير، بما يعزّز حماية حرية التعبير ويضمن في الوقت نفسه حق المتضررين في العدالة.