مع اقتراب الشتاء، تستعدّ البيوت اللبنانية لاستقبال الموسم على طريقتها، فتبدأ رحلة تحضير المونة وتخزين خيرات الأرض، من المكدوس والكشك إلى الزعتر، في تقليدٍ توارثته الأجيال وبقي حاضرًا في تفاصيل الحياة اللبنانية. لكنّ هذه العادة التي ارتبطت بوفرة البيت ودفء العائلة، تصطدم اليوم بواقع معيشي صعب، في ظلّ ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع كثيرين إلى إعادة حساباتهم. فكيف يواجه اللبنانيون كلفة المونة هذا العام؟ وهل تنجح هذه العادة المتجذّرة في الصمود أمام الأزمات، أم أنّ الغلاء بدأ يغيّر ملامحها؟ تجيب السيدة نورا مصطفى، صاحبة صفحة "مونة الجنوب"، في حديث لـ "لبنان 24" عن هذا الواقع، مشيرةً إلى أنّ الإقبال على شراء المونة لا يزال قائمًا، لكنّ الكميات تراجعت بشكل ملحوظ، إذ بات الزبون يشتري مرطبانًا أو اثنين من المكدوس بدلًا من أربعة أو خمسة، ويكتفي بكيلوغرام أو اثنين من الكشك بعدما كان يشتري كميات أكبر، في مشهد ينسحب أيضًا على سائر الأصناف. ارتفاع التكاليف يرفع أسعار المونةلم يقتصر تأثير الظروف الاقتصادية والأمنية على حجم المشتريات، بل امتدّ إلى كلفة إنتاج المونة وأسعارها. وبحسب السيدة نورا، ارتفعت أسعار مختلف المواد الأولية المستخدمة في التحضير، فعلى سبيل المثال، زادت أسعار مكوّنات المكدوس، من الباذنجان والفليفلة والجوز والزيت، مقارنةً بالعام الماضي، وصولًا إلى المرطبانات، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والمحروقات والأيدي العاملة. وتوضح أنّ هذه العوامل دفعت العاملين في هذا المجال إلى تحمّل أعباء إضافية، ولا سيّما في ظلّ صعوبة التحضير في بعض مناطق الجنوب، ما اضطرّها إلى نقل جزء من عملها إلى بعلبك والبقاع. وتؤكد أنّ ارتفاع كلفة المواد الأولية والتصنيع والنقل ينعكس مباشرة على السعر النهائي للمنتجات، في وقت باتت فيه القدرة الشرائية لدى الزبائن أكثر محدودية. وفي ما يتعلّق بالمكدوس، تتراوح الأسعار، وفق السيدة نورا، بين 8 و12 دولارًا للكيلوغرام، تبعًا لنوعية المنتج وكمية الجوز المستخدمة في الحشوة. فهناك أصناف تُباع بثمانية دولارات للكيلوغرام، وأخرى بعشرة دولارات، فيما يصل سعر الصنف الممتاز إلى 12 دولارًا، إذ تؤدي زيادة كمية الجوز إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، وبالتالي سعر البيع. تراجع الكميات لا يلغي تنوّع المائدة اللبنانيةوعلى الرغم من الضغوط المعيشية، لا يبدو أنّ اللبنانيين مستعدّون للتخلّي عن تنوّع المونة التي اعتادوا تخزينها. وتشير السيدة نورا إلى أنّ اللبناني يحبّ أن تكون مائدته غنيّة بالأصناف المختلفة، حتى لو كان من ذوي الدخل المتوسط أو المحدود، ولذلك يفضّل شراء كميات صغيرة من أنواع متعددة بدلًا من الاستغناء عن بعضها. وتلفت إلى أنّ المكدوس والزعتر والكشك وتحويجة الكبة من أبرز المنتجات المطلوبة خلال هذا الموسم، مع اختلاف الأصناف التي تشتهر بها المناطق اللبنانية. فالجنوب يتميّز بتحويجة الكبة والزعتر والزهورات، فيما تشتهر بعلبك والبقاع بالمكدوس والكشك والمربّيات. تقليد متوارثلا تزال المونة تحتلّ مكانة أساسية في حياة العائلات اللبنانية، إذ لا تقتصر أهميتها على الجانب الغذائي، بل ترتبط أيضًا بالشعور بالأمان والاستعداد لفصل الشتاء والظروف الطارئة. وتلفت السيدة نورا إلى أنّ وجود أصناف مثل الزعتر والمكدوس والسماق وتحويجة الكبة والبرغل والفريكة واللبنة المكعزلة في المنزل يمنح العائلة قدرة على تدبير احتياجاتها لعدة أيام، حتى في حال تعذّر الخروج أو التسوّق أو مرّت الأسرة بضائقة مالية. وتوضح أنّ وجود هذه الأصناف في البيت يمنح العائلات شعورًا بالاكتفاء، باعتبارها من الأساسيات التي لا تخلو منها الموائد اللبنانية. ولا تنفصل هذه العادة عن التراث الغذائي الذي تحرص العائلات على نقله من جيل إلى آخر، بما يحمله من طرق تحضير تقليدية ونكهات مرتبطة بذاكرة البيوت والمناطق اللبنانية. وفي هذا الإطار، تشدّد السيدة نورا على أهمية الحفاظ على هذا الإرث من خلال تنظيم دورات تدريبية تستهدف الجيل الصاعد، لتعليمه طرق إعداد المونة وتشجيعه على مواصلة هذه الممارسات ونشرها في مختلف المناطق اللبنانية وخارج البلاد. ورغم الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، لا تزال المونة الشتوية حاضرة في البيوت اللبنانية، شاهدةً على تراث غذائي توارثته الأجيال وتمسّك به اللبنانيون رغم الأزمات. قد تتقلّص الكميات وتتغيّر حسابات الشراء، لكنّ نكهة المونة تبقى جزءًا من ذاكرة البيت اللبناني وهويته، وعادةً تسعى العائلات إلى الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال المقبلة