تترقب الأوساط السياسية والقضائية في لبنان المصير النهائي لملف "شحنة المتفجرات" التي ضبطت على طريق ضهر البيدر بحوزة عنصرين ينتميان لحزب الله. وبينما تنهمك الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري في فكفكة خيوط الشحنة، تحول خيار "الإحالة" إلى المجلس العدلي إلى مادة جديدة في السجال السياسي القائم ليطرح إشكالية أعمق تتجاوز حدود الواقعة الأمنية نحو معركة بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها. في السياق، يعقد مجلس الوزراء جلسة عند الساعة الثالثة من بعد ظهر الخميس المقبل في بعبدا، وذلك للبحث في جدول أعمالٍ يبرز فيه بند متفجرات ضهر البيدر بطلب وزارة العدل إحالة قضية الشحنة المضبوطة في ضهر البيدر في الخامس من تشرين الأول الماضي وفي منطقة القصر في الثاني من تشرين الأول، بصورة عامة إلى المجلس العدلي على أن تشمل الإحالة كل ما تظهره التحقيقات من ارتباط مباشر أو غير مباشر بهذه المواد. وفي حال اقرار هذه الخطوة ستفتح مرحلة قضائية جديدة في الملف الذي أثار اهتمامًا داخليًا وخارجيًا واسعًا. ماذا تعني الإحالة إلى المجلس العدلي؟ تمثل الإحالة إلى المجلس العدلي رفعًا للملف من مستوى الجرائم العادية أو صلاحية المحاكم العسكرية والاستئنافية إلى مستوى الجرائم التي تمسّ بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. تعني إحالة هذا الملف قرارًا سياسيًا وقضائيًا صريحًا بعدم التعاطي مع المتفجرات بوصفها "سلاحًا" لمقاومة إسرائيل، بل بوصفها "تهديدًا" يستهدف الامن القومي اللبناني. خلافًا للمحاكم العادية التي تتحرك بصفةٍ تلقائية عبر النيابات العامة، يتطلب المسار إلى المجلس العدلي آلية استثنائية تتمثل في الآتي: المرسوم الحكومي: لا يتحرك المجلس العدلي إلاّ بمرسومٍ يصدر عن مجلس الوزراء بناءً لاقتراح وزير العدل، وهنا تكمن العقبة السياسية، إذ يتطلب ذلك توافقًا حكوميًا أو أغلبية سياسية لتمرير المرسوم. تعيين المحقق العدليّ: في حال صدور المرسوم يرفع القضاء العسكري يده عن المواد المضبوطة، ويقوم وزير العدل بتعيين محققٍ عدليّ بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى لتولي التحقيق. تحريك الدعوى العامة: يتولى النائب العام التمييزي مهام تحريك الدعوى العامة أمام المحقق العدليّ. يعد المجلس العدلي أعلى هيئة قضائية جزائية في لبنان، ويتميز بخصائص صارمة في الصلاحيات والإجراءات: التشكيل: يتألف من الرئيس الأول لمحكمة التمييز (رئيسًا) وأربعة قضاة من محكمة التمييز (أعضاء) أحكام مبرمة ومطلقة: تتميز أحكام المجلس العدلي بأنها قطعية وغير قابلة بأي طريق من طرق المراجعة العادية أو غير العادية، وتكون واجبة التنفيذ فور صدورها. صلاحيات المحقق العدلي: يستطيع المحقق العدلي وضع يده على الملف، وله صلاحية اصدار مذكرات التوقيف وإحالة أي شخص يثبت تورطه في التحقيقات من دون التقيد بحدود الادعاء الأولي للنيابة العامة. وهذا يعني أن الخطوة الأولى تستوجب إصدار مرسوم بإحالة هذه القضية إلى المجلس العدلي. وبعد تعيين المحقق العدلي، يباشر بتحقيقاته ويتوسع بالتعاون مع جميع الأجهزة الأمنية في التحقيق والاستدعاءات وتسطير المذكرات والاستنابات. وهنا يحتاج إلى تعاونٍ مباشر مع النيابة العامة التمييزية، التي يطلب منها تنفيذ جميع مذكرات التوقيف الصادرة عنه. وبعد انتهاء مسار التحقيق، يصدر قراره الاتهاميّ وتعد النيابة العامة التمييزية مطالعتها، ويحال القرار للمجلس العدلي للبدء بالمحاكمات وإصدار الأحكام النهائية. وهنا لا بد من التذكير بأن الكثير من القضايا التي أحيلت للمجلس العدلي استغرق صدور الأحكام فيها سنوات طويلة، مثل قضية القضاة الأربعة في صيدا، إضافة إلى تفجيري السلام والتقوى وجبل محسن. كما أن بعض القضايا لم تتحرك في المجلس العدلي مثل قضية اغتيال الزعيم كمال جنبلاط وعضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الشيخ صالح العريضي، إضافة إلى أن ملف تفجير مرفأ بيروت الذي أحيل للمجلس العدلي منذ العام 2020، لم تبدأ المحاكمات به بعد، إذ أن القرار الاتهاميّ لم يصدر بعد عن المحقق العدلي. تضع قضية متفجرات ضهر البيدر السلطة أمام اختبار مصيريّ: إما إحالة الملف إلى المجلس العدلي لتأكيد سلطة الدولة الكاملة، إما الخضوع للتوازنات السياسية والتعطيل، ما يجعل العدالة مؤجلة مجددًا بسبب الحسابات الداخلية.