أعاد تمسك تركيا بالإبقاء على قواتها العسكرية في العراق وسوريا ملف الوجود التركي في البلدين إلى الواجهة، وسط تباينٍ في المواقف بشأن مستقبل هذا الانتشار، بين مطالب عراقية بإنهائه وتأكيدات تركية تربط مراجعة انتشار القوات بتحقيق متطلبات الأمن الحدودي. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع التحولات في مسار العلاقة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، إلى جانب تحركات سورية - تركية لتفعيل التفاهمات الأمنية المشتركة، ما يطرح تساؤلات بشأن مستقبل الوجود العسكري التركي في المنطقة، في ظل اختلاف الظروف والمطالب الأمنية بين بغداد ودمشق. وأفادت مصادر عراقية لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت" أن بغداد تعتزم إرسال مذكرة احتجاج إلى أنقرة، على خلفية تصريحات وزير الدفاع التركي يشار غولر بشأن استمرار الوجود العسكري التركي في العراق وسوريا، وتمسك بلاده ببقاء قواتها إلى حين ضمان أمن الحدود بشكل كامل. وزير الدفاع التركي يشار غولر (أرشيفية - رويترز) وأضافت المصادر أن العراق يطالب بإنهاء الوجود العسكري التركي على أراضيه، بعد حل حزب العمال الكردستاني ودخوله في مفاوضات مع تركيا، في تطور يعيد طرح مستقبل القواعد والمواقع العسكرية التركية في العراق، ومبررات استمرارها في ضوء المتغيرات المرتبطة بالملف الكردي. في المقابل، أكد وزير الدفاع التركي يشار غولر أن بلاده ستبقي قواتها في العراق وسوريا إلى حين ضمان أمن الحدود مع البلدين بشكل كامل. وقال غولر، في رد مكتوب على أسئلة وكالة "فرانس برس"، إن تركيا تحافظ على وجودها العسكري في العراق وسوريا، مضيفاً أن أنقرة ستراجع وضع مواقع انتشار قواتها ووجودها العسكري في المنطقة عندما تتأكد من استيفاء الشروط اللازمة المتعلقة بالأمن الإقليمي وأمن الحدود. وتعود جذور الوجود العسكري التركي في إقليم كردستان العراق وشمال البلاد إلى ثمانينيات القرن الماضي، مع تصاعد المواجهة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، الذي اتخذ من مناطق جبلية داخل الأراضي العراقية قواعد خلفية لنشاطه المسلح. وكثفت تركيا عملياتها العسكرية العابرة للحدود على مدى السنوات الماضية، وأقامت مواقع وقواعد عسكرية في مناطق شمال العراق، مبررة ذلك بضرورة منع الحزب من استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات داخل تركيا. وأثار هذا الانتشار خلافات متكررة بين بغداد وأنقرة بشأن السيادة العراقية، إذ طالبت الحكومة العراقية في مناسبات عدة باحترام حدود البلاد وإنهاء العمليات العسكرية التركية، فيما تمسكت أنقرة بأن وجودها يستهدف حماية أمنها القومي ومواجهة تهديدات حزب العمال الكردستاني. وفي سوريا، توسع الوجود العسكري التركي منذ عام 2016 عبر سلسلة عمليات عسكرية في شمال البلاد، قالت أنقرة إنها استهدفت تنظيمات تعتبرها تهديداً لأمنها القومي، وفي مقدمتها وحدات حماية الشعب الكردية، التي اعتبرتها امتداداً لحزب العمال الكردستاني. وأقامت تركيا نقاط مراقبة وقواعد عسكرية في مناطق سورية عدة، كما حافظت على وجودها في مناطق نفوذها شمال البلاد. وعلى المسار السوري، كشف مصادر حكومية لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت" أن دمشق وأنقرة تعملان في الوقت الحالي على تفعيل التفاهم الأمني المشترك بهدف تنظيم الوجود العسكري التركي على الأراضي السورية، بالتوازي مع مساعٍ لتعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين الجانبين. ويختلف هذا المسار عن الحالة العراقية، في ظل طبيعة التفاهمات القائمة بين دمشق وأنقرة والملفات الأمنية التي يسعى الطرفان إلى معالجتها. وبينما تضغط بغداد باتجاه إنهاء الوجود العسكري التركي على أراضيها، تواصل أنقرة ربط مستقبل انتشار قواتها بتحقيق شروطها الأمنية، فيما تتجه العلاقة مع دمشق نحو تنسيق الترتيبات الأمنية المشتركة، ما يضع مستقبل الوجود العسكري التركي في العراق وسوريا أمام مسارين مختلفين تحكمهما حسابات أمنية وسياسية متباينة.