صرّح المستشار الديبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الدكتور أنور قرقاش من على منصة "إكس" أن على دول الخليج أن تتوافق على الأمن والدفاع رغم اختلافها في وجهات النظر في المجالات الأخرى؛ فأمن الخليج لا يتجزأ، وما يحصل في إحدى الدول الخليجية له ارتدادات على جميع الدول الأخرى. ويعود السبب في ذلك إلى كون المنطقة مركّباً أمنياً إقليمياً واحداً. ويقول باري بوزان، صاحب هذه النظرية: إن العالم ينقسم إلى أقاليم أمنية، تأثيرها على دول الإقليم أكبر من تأثير الدول الأخرى عليها. والسبب في ذلك يعود إلى أن دول الإقليم تعيش حالة من الاعتماد المتبادل؛ لأن التهديدات الأمنية أسرع وأسهل انتقالاً بين المناطق القريبة مقارنة بالمناطق النائية. ويضيف أن أنماط العداء والصداقة متشابهة بين دول الإقليم؛ لأنها قائمة على فهم مشترك وتاريخ متشابك يحددان الصديق والعدو. ومع ذلك، يقرّ بوزان بتداخل نسبي بين الأقاليم الأمنية والمستوى الدولي. ولا شكّ في أن منطقة الخليج العربي تشكّل مركّباً أمنياً مشتركاً. وقد أوضحت ذلك حرب الخليج الرابعة التي بدأت مع الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ كان ردّ الفعل الإيراني بشنّ غارات بالصواريخ والمسيّرات على دول الخليج دون استثناء، حتى الوسطاء في النزاع مثل عُمان وقطر. وكما رأينا في الثورات العربية (2010-2011)، فإن اشتعال فتيل الأحداث في بلدة تونسية لم يتوقف عند حدود ذلك البلد، بل تمدّد ليصل إلى شواطئ الخليج العربي؛ مما يدلّ على أن التهديدات الأمنية يسهل انتقالها عبر المسافات القريبة. إن الوعي بهذه الحقائق الاستراتيجية جعل التقارب الإماراتي-السعودي أمراً حتمياً. ولا شكّ في أن تغوّل الحركة الحوثية مؤخراً ضد المملكة العربية السعودية بات تهديداً للمنطقة، وأصبحت دول الخليج بين فكَّي كماشة إيران والنظام في صنعاء. وقد شهدنا زيارة على أعلى المستويات من دولة الإمارات، متمثّلةً في نائب رئيس الدولة، الذي أجرى مباحثات مستفيضة مع ولي عهد المملكة العربية السعودية لتنسيق المواقف تجاه تدهور الأوضاع في اليمن، وتمدّد الحوثي على ساحل البحر الأحمر وتهديده للملاحة الدولية. ولا ضير، في هذا المضمار، في طبيعة العلاقات التي تبنيها الدول الخليجية ثنائياً أو بشكل متعدد الأطراف لحماية أمنها ومصالحها الحيوية. كما لا يهمّ أن تتبع دول منظومة الخليج العربي سياسات اقتصادية أو حتى تنافسية في ما بينها، أو مقاربات ديبلوماسية مختلفة مع الأصدقاء والأعداء؛ إذ إن توظيف كل عناصر القوة من اقتصاد وديبلوماسية وقدرات عسكرية ومعلوماتية مسألة ضرورية. لكن المهم هو أن يكون أمن الخليج القاسم المشترك بين هذه الدول، فالمخاطر التي تدهم أي دولة خليجية ستشكّل تهديداً مباشراً للجميع. إن دول الخليج تقف اليوم في منعطف تاريخي مهم، حيث هناك خطر يتربّص بها، ومطامع لعدة لاعبين في هذه المنطقة الحساسة والغنية بالثروات النفطية. وهناك دول تسعى للهيمنة على المنطقة بما فيها منطقة الخليج، وهذا يستدعي تكاتف كل الدول الخليجية والعربية لدرء هذه المخاطر الجمّة. والسؤال هنا: ما أهمية التحركات الأخيرة على أعلى المستويات في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية؟ وما أهمية عودة الدفء للعلاقات بين هاتين الدولتين؟ الجواب واضح للعيان؛ فهاتان الدولتان تشكّلان مركزي الثقل في المنظومة الخليجية: فهما الأقوى عسكرياً، والأقوى اقتصادياً، والأقوى حضوراً وديبلوماسياً، وهما اللتان تتمتّعان بالقوة الناعمة الأكثر تأثيراً. إن الإمارات والسعودية تستطيعان أن تقودا العمل الخليجي المشترك، كما تستطيعان إعادة اللحمة الخليجية وتوحيد السياسات الأمنية والدفاعية. وقد قيل قديماً: تَأْبَى العِصِيُّ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسّراً ... وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ آحَاداً