لم تشأ إسرائيل أن تنطلق جولة المفاوضات العسكرية في تامبا ـ فلوريدا، إلا تحت وطأة تهديدات جديدة. ففي لحظة انعقاد الجولة، وهي مستمرة الآن، قال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه تحدث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب "بشأن أهمية القضاء على النظام الإيراني الذي يعني القضاء على حزب الله"، وحذر إيران وحزب الله قائلاً: "لا تفكروا في مهاجمتنا. ستتلقون ضربة لم تتخيلوها". بدوره جدد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعنف تهديداته، إذ أعلن استعداد قواته للتحرك نحو النبطية ومنطقة الليطاني لجعلها جزءاً دائماً من "المنطقة الأمنية" وإخلاء ضاحية بيروت. قال كاتس: "لقد أنشأنا منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تمتد على مساحة 700 كيلومتر مربع، من الساحل غربًا إلى الشقيف وسلسلة جبال علي طاهر وضواحي جبل الشيخ شرقًا. وتم إجلاء جميع السكان الشيعة البالغ عددهم 200 ألف نسمة حتى الخط الأصفر، ويعمل الجيش الإسرائيلي في المنطقة على تدمير الأنفاق العملاقة، وتدمير أكثر من 60 قرية لبنانية، بما في ذلك 23 ألف منزل كانت بمثابة معاقل لحزب الله: منطقة أمنية خالية من السكان والبنية التحتية والمنازل الإرهابية". وأكد كاتس: "لن ننسحب حتى يتم نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان. وأي إطلاق نار أو طائرات مسيرة باتجاه المدن أو المستوطنات سيُقابل برد قوي على منطقة الضاحية في بيروت. وإذا انضم حزب الله إلى هجوم إيراني على إسرائيل، فسيتلقى ضربة قاسية، والجيش الإسرائيلي مستعد للتحرك نحو مناطق إضافية في منطقتي النبطية والليطاني، على أن يتم إخلاء المنطقة المحتلة من سكانها لتصبح جزءًا دائمًا من المنطقة الأمنية الإسرائيلية". وهذا الموقف يكرره كاتس للمرة الثانية، لكن اختيار إطلاقه في لحظة انطلاق المفاوضات يكشف النهج الذي تتبعه إسرائيل والأهداف التي تعمل لتحقيقها في لبنان، ويعكس عقيدة عسكرية إسرائيلية قائمة على استباق الردع بالتهجير الشامل وتغيير الجغرافيا. تصعيد نتنياهو وكاتس سبقه تصعيد ضد الجيش اللبناني، إذ اتهمت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي إيلا واووية في منشور عبر "إكس" بأنّ الجيش اللبناني فشل في مسؤولياته تجاه إزالة الوسائل القتالية والبنى التحتية العسكرية التابعة لتنظيم حزب الله من جنوب لبنان. وذهبت أبعد من ذلك مدعية أنّ شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي "رصدت حالات قامت فيها جهات من داخل الجيش اللبناني بالتنسيق مع حزب الله بشأن أنشطة إنفاذ الترتيبات الأمنية، على نحو ساهم في محاولات منع هذه الأنشطة أو تأخيرها أو إحباطها، وأتاح لحزب الله الاستعداد مسبقًا لإخلاء الوسائل القتالية ونقلها من المنطقة". وحمل الجيش الإسرائيلي الجيش اللبناني مسؤولية ضمان التنفيذ الكامل والدقيق لجميع المهام الموكلة إليه. وهذه التهديدات تؤكد سخرية الواقع التفاوضي. فإسرائيل تستخدم المسار التفاوضي كغطاء أو محطة لفرض وقائع احتلالية طويلة الأمد، بعيداً من أي نية للانسحاب أو التهدئة الفعلية. وإذا توحي المعطيات الإقليمية بأن الفترة الفاصلة بين استحقاقي الانتخابات الإسرائيلية والأميركية باتت مهيأة لضربة واسعة النطاق ضد طهران، فإن هذا ما سيدفع حلفاءها أيضاً إلى الدخول في عين العاصفة. وما سيجعل التهديدات بضرب الضاحية والجنوب أهدافاً إجرائية جاهزة، ومحتملاً تنفيذها. وكانت قد بدأت قرابة الرابعة من بعد الظهر بتوقيت بيروت، في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا، الاجتماعات العسكرية التقنية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لمراجعة التقدم المحرز في تنفيذ اتفاق الإطار والمناطق التجريبية في جنوب لبنان. وبحسب المعلومات فإنّ الجانب الإسرائيلي عرض خلال الاجتماعات العسكرية التقنية في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا الفيديو الذي نشره الجيش الإسرائيلي صباح اليوم بشأن الجيش اللبناني. كما أُفيد أنّ ثلاثة ضباط لبنانيين فقط شاركوا في الاجتماع، ما يشير إلى تقليص عدد أعضاء الوفد العسكري اللبناني المشارك في هذه الاجتماعات. في الموازاة، تدور في الداخل اللبناني مواجهة شرسة، لكن صامتة، بين السلطة وحزب الله، فجرتها خصوصاً حادثة مصادرة شحنة المتفجرات في ضهر البيدر. وفي تحرك هو الأول من نوعه، شاع اليوم الثلاثاء أن المحكمة العسكرية أصدرت مذكرتي توقيف بحق اثنين من الحزب أظهرت التحقيقات أنهما على علاقة بالشحنة. لكن الغموض ما زال يحيط بهذه المسألة، نظراً إلى حساسية الوضع. ويقرأ الحزب الإجراءات المتخذة بحق عناصره أو كوادره في هذه الفترة باعتبارها استجابة للضغوط والإملاءات الخارجية، رافضاً أي خضوع أو تراجع عن خياراته. وهذا التشابك الداخلي ينذر باحتكاك سياسي وقضائي وأمني بالغ الحساسية في لحظة لبنانية صعبة. وفي بعبدا، كان لقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، عرض فيه ا