في الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، وافق مجلس الدفاع الوطني على إرسال قوات مصرية إلى السعودية في "مهمة دفاعية"، دون إعلان عدد القوات أو مكان تمركزها أو مدة بقائها. وفي اليوم نفسه، انعقد مجلس النواب في جلسة طارئة سرية للنظر في التفويض، ثم امتدت الجلسة يوماً بعد يوم، قبل أن يقرر المجلس تأجيل التصويت إلى السادس والعشرين من الشهر نفسه. وهكذا يُدار أخطر ما يمكن أن تقرره دولة، أي إرسال جنودها إلى حرب خارج حدودها، بين اجتماعات مغلقة، فيما يبقى الرأي العام خارج الباب ينتظر البيان. ويمنح التأجيل الجميع أسبوعاً لطرح الأسئلة التي غابت عن البيانات الرسمية. فالخطاب الحكومي يتحدث بنبرة عالية عن الأخوة العربية والأمن القومي والتضامن، ويترك الدوافع الأعمق للقرار خارج الكلام المعلن: الاعتماد المالي على الخليج، وخسائر قناة السويس، وحسابات التحالف مع الرياض في لحظة إقليمية مضطربة. ولهذا الغموض وظيفة واضحة، لأن هذه الدوافع يصعب تقديمها للناس بلغة الأخوة، فيحل الصمت محل الشرح. وفهم القرار يبدأ من سؤال واحد: من يحرّك القرار العسكري المصري، السويس أم الرياض؟ منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، هاجم الحوثيون السفن في البحر الأحمر، وخسرت قناة السويس مليارات الدولارات، وظلت القاهرة طوال تلك الفترة تتجنب أي عمل عسكري لوقف هذا النزيف. تغيّر الموقف حين وصل الخطر إلى السعودية نفسها: في تموز/ يوليو 2026، استأنف الحوثيون هجماتهم على المملكة وأعلنوا حصاراً بحرياً عليها، وفي أيلول/ سبتمبر سيطروا على كامل الساحل الغربي لليمن ومنطقة باب المندب. وفي منتصف أيلول/ سبتمبر، زار ولي العهد السعودي القاهرة، وبعد شهر واحد صدر القرار. ويتقاطع هذا التسلسل مع ملف مالي حساس. فوديعة سعودية بقيمة 5.3 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري حان استحقاقها في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وحتى منتصف الشهر كانت المباحثات حول تجديدها مستمرة دون اتفاق نهائي. التزامن وحده يكفي لطرح سؤال مشروع عن العلاقة بين المسارين. والخلاصة الأوضح من هذا التسلسل أن أمن الحليف الخليجي حرّك القرار المصري بسرعة لم تحركه بها خسائر القناة على مدى ثلاث سنوات. المادة 152 من الدستور تشترط لإرسال القوات المسلحة في "مهمة قتالية" خارج الحدود أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. والخطاب الرسمي يصرّ على كلمة "دفاعية": الرئيس قال إن الحديث يقتصر على الدفاع، وإن وقوف القاهرة متفرجة على تهديد أمن المملكة أمر لا يمكن تصوره. واختيار الكلمة الأهدأ له وظيفة سياسية واضحة؛ فهو يقدّم القرار للناس إجراءً احترازياً، ويخفض سقف الأسئلة المشروعة حوله. والفارق بين الكلمتين يتبخر عند التطبيق. فالمهمة الدفاعية قد تعني بطاريات دفاع جوي تحمي منشآت سعودية، أو طيارين يعترضون المسيّرات، أو قطعاً بحرية ترافق ناقلات النفط. ولكل صيغة سلّم تصعيد مختلف؛ فالدفاع الجوي يضع الجنود المصريين في مرمى الصواريخ مباشرة، والمرافقة البحرية تفتح باب الاشتباك مع جماعة تسيطر اليوم على الضفة اليمنية لباب المندب. وفي المقابل، يملك الحوثيون أدوات رد واضحة: استهداف السفن المتجهة إلى القناة، أو المصالح المصرية داخل المملكة. والقرار الذي يحدد حجم هذه المخاطر ظل بلا تفاصيل معلنة. وفي البرلمان، انعقدت الجلسة سراً، استناداً إلى لائحة تقضي بسرية جلسات نظر أمر الحرب وإرسال القوات إلى الخارج. السرية مبررة في خطط الانتشار وتفاصيل العمليات، ويصعب تبريرها حين تمتد إلى جوهر القرار، فالنائبة مها عبد الناصر قالت إن شكل الدعم العسكري لم يُناقش بأي تفاصيل. ثم جاء تطور لافت، إذ أجّل المجلس التصويت إلى 26 تشرين الأول/ أكتوبر، بعد أن امتدت الجلسة لإتاحة الكلمة لعدد كبير من النواب. وطالب بعضهم، ومنهم نواب من حزب الوفد المؤيد للطلب، بمزيد من التشاور والتفاصيل حول طبيعة المهمة، فيما وجّه الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي نوابه إلى الامتناع عن التصويت ما لم يتضمن الطلب تحديداً لأهداف المهمة وطبيعتها وكلفتها. يكشف هذا التأجيل أن أسئلة الكلفة والحدود وجدت طريقها إلى القاعة رغم سريتها، غير أن الأرقام تظل حاسمة؛ فالأحزاب الموالية تملك نحو 410 مقاعد من أصل 568، أي أكثر من أغلبية الثلثين التي يشترطها الدستور. اشترط الدستور هذه الأغلبية ليجعل قرار الحرب صعباً ومحل تدقيق، والتدقيق الحقيقي يتطلب أن تخرج التفاصيل إلى الرأي العام. والبرلمان الذي يُفترض أن يكون الحارس الأخير قبل الحرب أمامه أسبوع ليحصل على إجابات قبل أن يمنح التفويض، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي. أما خارج البرلمان، فتتحرك الشاشات بإيقاع واحد. منذ تمددت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية إلى تكتل يضم أكثر من 40 شركة في الإعلام والإعلان والمنصات الرقمية، صارت القضايا الكبرى تُروى بصوت واحد تقريباً. ومع الق