بعد سنوات من هيمنة المسلسلات الطويلة على الدراما العربية، بدأت الأعمال القصيرة تفرض حضورها في السنوات الأخيرة، من مسلسلات الـ15 حلقة، إلى "الميكرودراما" التي لا تتجاوز حلقاتها دقائق معدودة، في ظل انتقادات متكررة للنصوص الدرامية منذ عقود بسبب إطالة الأحداث وتكرار الصراعات وضعف الحبكات. وأثار ظهور "الميكرودراما" أسئلة، لأنه يعني من جهة تطوراً في الكتابة الدرامية واستجابة لتغير عادات المشاهدة باستهداف جمهور يفضل استخدام هاتفه على مشاهدة التلفزيون، ويكشف من جهة أخرى محاولة فاشلة لتعويض أزمة الأفكار بإيقاع أسرع ومساحات سردية أضيق للتخلص من المماطلة، خصوصاً أن فكرة "الميكرودراما" ربما تعفي الكاتب من بناء الشخصيات وتطوير الصراع وصناعة حكاية تستحق المتابعة أصلاً. وتقول المخرجة رندة علم الدين لـ"المدن" أن "الميكرودراما" مخصصة للعرض على الهواتف والمنصات الرقمية، وتعتمد حلقات قصيرة لا تتجاوز مدتها بضع دقائق، كاستجابة لتغير عادات المشاهدة كوجبة درامية قصيرة، حيث يوازي مجموع حلقات العمل حلقة تلفزيونية واحدة من مسلسل عادي. وأشارت إلى أن التغيير يطاول أيضاً بناء النص والإيقاع والموضوع، فهو لا يطرح قضايا معقدة تحتاج إلى متابعة دقيقة، بل يركز على المواضيع التي تتناسب مع طبيعة القالب وسرعة تلقيه، مضيفة أن التشويق هو العنصر الأساسي في بنائه، إذ تنتهي الحلقة عند نقطة ذروة، تدفع المشاهد إلى الانتقال إلى الحلقة التالية، ولذلك فإن نصه يختلف في شكله ومضمونه وتركيبته عن نص المسلسل التقليدي. وترى علم أن التعلق بالشخصيات ليس شرطاً أساسياً للاستمتاع بعمل فني، مضيفة أن أنماط مشاهدة المسلسلات الطويلة نفسها شهدت تغيراً ملحوظاً، إذ يتابع بعض المشاهدين الحلقات بسرعة مضاعفة، مستخدمين خاصية التشغيل السريع لأن المشاهد بات يميل إلى الوصول مباشرة إلى الأحداث الأساسية، ومن هذا المنطلق، تعتمد "الميكرودراما" على تقديم القصة من خلال الأحداث المحورية التي تمر بها الشخصيات، بدلاً من التوسع في تفاصيل مساراتها. وتوضح علم أن الرسالة ليست الهدف الأساسي في الأعمال القصيرة، بل غايتها الأولى هي التسلية، بما يتناسب مع طبيعة المشاهدة السريعة التي تقوم عليها. أما عن احتمال أن تؤدي الميكرودراما إلى تراجع مكانة الدراما التقليدية، فتقول أن دخول المنصات العربية هذا المسار لا يعني توقف الدراما التقليدية أو انتهاء دورها، بل يعكس ظهور نمط إضافي من الإنتاج والمشاهدة، يواكب التحولات التي يشهدها استهلاك المحتوى، وبالتالي "لم يعد السؤال مقتصراً على الرغبة في مواكبة التطور أو رفضه، بل بالقدرة على التكيف معه أو البقاء في المكان نفسه في ظل تقدم التكنولوجيا وتغير أدوات العمل والإنتاج". وتشير علم الدين إلى أنها أنجزت 11 عملاً من هذا النوع، عرضت في منصة "سين" اللبنانية، وهي من أوائل المنصات العربية التي خاضت تجربة "الميكرودراما". لكنها، في المقابل، تتوقف عند بعض الأعمال التي حظيت بالانتشار أكثر من غيرها وجذبت اهتماماً واسعاً، من بينها مسلسل "تيك تاك" لسيرين عبد النور، فيما تضم المنصة مسلسلات أخرى مهمة، مشددة على أن قيمة التجربة لا تقتصر على المسلسل الذي تصدر الإهتمام. وبحسب علم الدين، تختلف "الميكرودراما" إخراجياً، اختلافاً واضحاً عن المسلسلات التقليدية، بدءاً بطريقة التصوير، ووصولاً إلى اختيار الكادر وحركة الممثلين داخله، لأن الصورة مهيأة لشاشة الهاتف، ما يفرض حسابات تقنية خاصة تجعل الكادر أضيق، ما يحد من إمكان جمع عدد كبير من الممثلين في مشهد واحد. وتؤكد علم الدين أن التعامل مع هذه المتطلبات يحتاج أسلوباً إخراجياً مختلفاً يراعي طبيعة الشاشة التي يعرض فيها العمل. أما إنتاجياً، فتعتبر أن الميكرودراما توفر المال من بعض النواحي، لكنها تتطلب في المقابل إنفاقاً إنتاجياً ملحوظاً، وتفسر ذلك بكثافة الأحداث وتعدد مواقع التصوير والأماكن التي تنتقل بينها الشخصيات، إضافة إلى كثرة الوقائع التي يتعين تقديمها خلال زمن محدود. وتستهدف الميكرودراما، شريحة الشباب الذين اعتادوا متابعة المحتوى السريع في "تيك توك" وغيرها من منصات السوشال ميديا، لكن علم الدين تتوقع أن يحمل التفاعل مع هذا النوع من الأعمال، مفاجآت تتجاوز التوقعات المتعلقة بالجمهور المستهدف. ويطرح انتشار "الميكرودراما" اللاهثة خلف التشويق، تساؤلات حول طبيعة المحتوى والفرق بين إنتاج مادة سريعة الاستهلاك، وصناعة عمل درامي قادر على ترك أثر لدى المشاهد. وعن ذلك، يقول الكاتب مروان قاووق لـ"المدن" أن "الميكرودراما" نجحت في استقطاب المتابعين، لكنها تبقى أقرب إلى المحتوى التسويقي منها إلى الفن الدرامي، وأن اتساع الجمهور لا يكفي للحكم على قيمتها الفنية، كما أن الانتشار التجاري لا يعني بالضرورة تجربة درامية متكاملة. ويبدو حضور "الميكرودراما" متصلاً بأزمة