الدعم القطري للبنان لا يتوقف.. من إعمار ما بعد حرب 2006 إلى الاستثمار في التعافي والطاقة في لحظات الأزمات الكبرى، تقاس العلاقات بين الدول بقدرتها على الانتقال من التضامن السياسي إلى المبادرات العملية التي تساعد الشعوب على تجاوز المحن. وفي هذا السياق، تبرز العلاقات اللبنانية القطرية بوصفها نموذجا لعلاقة عربية استمرت رغم التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها المنطقة. فمن مساهمة دولة قطر في إعادة إعمار لبنان بعد حرب يوليو/تموز 2006، إلى تجديد التزامها بالوقوف إلى جانب اللبنانيين في مواجهة تداعيات الحروب والأزمات الراهنة، تؤكد الدوحة استمرار اهتمامها باستقرار لبنان، وتعزيز مؤسساته، ومساندة مسار تعافيه الاقتصادي. لا يمكن الحديث عن تعافي الاقتصاد اللبناني من دون معالجة أزمة الكهرباء، التي أثقلت كاهل المؤسسات والمواطنين، ورفعت تكاليف الإنتاج، وأضعفت القدرة التنافسية للقطاعات الصناعية والتجارية والخدمية زيارة إلى بيروت ورسالة دعم واضحة شكلت زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية؛ إذ التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبحث معهم سبل تعزيز التعاون بين البلدين في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة. وخلال لقاءاته، أكد المسؤول القطري استمرار دعم بلاده للبنان، وحرصها على سيادته ووحدته واستقراره، إلى جانب دعم مؤسساته الدستورية والجيش اللبناني. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية، بدءا من تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار التي لحقت بالمناطق الجنوبية، وصولا إلى الضغوط الاقتصادية والمالية، والحاجة الملحة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير مقومات التعافي. لكن أهمية الزيارة لا تقتصر على بعدها السياسي؛ إذ يبرز التركيز على مشاريع التعاون الاقتصادي والاستثماري، ولا سيما في قطاع الطاقة والكهرباء، الذي يشكل أحد أبرز التحديات أمام استعادة النشاط الاقتصادي في لبنان. الكهرباء والطاقة: من الوعود إلى المشاريع المستدامة لا يمكن الحديث عن تعافي الاقتصاد اللبناني من دون معالجة أزمة الكهرباء، التي أثقلت كاهل المؤسسات والمواطنين، ورفعت تكاليف الإنتاج، وأضعفت القدرة التنافسية للقطاعات الصناعية والتجارية والخدمية. ومن هنا، تبرز أهمية التوجه نحو شراكة لبنانية قطرية لتأهيل البنية التحتية لقطاع الكهرباء وتطويرها وتحديثها. وقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان وقطر باتا قريبين من التوصل إلى مشروع مشترك لتطوير قطاع إنتاج الكهرباء وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، بما يتيح تنفيذ المشروع وتشغيله من دون تحميل الخزينة اللبنانية تكاليف استثمارية مسبقة، وفق التصريحات المعلنة عقب اللقاءات. كما أعلن عن اتفاق بين شركتي قطر للطاقة وتوتال إنرجيز لتطوير مشروع محطة للطاقة الشمسية في لبنان، في إطار توسيع التعاون في قطاع الطاقة. ويمثل هذا التوجه فرصة مهمة إذا ترجم إلى اتفاقات تنفيذية واضحة، تتضمن جداول زمنية محددة، وآليات شفافة للتمويل والتشغيل، ومعايير رقابية تضمن حماية المصلحة العامة. فلبنان لا يحتاج إلى حلول مؤقتة لأزمة الكهرباء فحسب، بل إلى إعادة بناء قطاع الطاقة على أسس اقتصادية مستدامة، تتيح زيادة الإنتاج، وخفض كلفة الكهرباء، وتحسين الخدمات، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية. ومن شأن نجاح هذه المشاريع أن ينعكس إيجابا على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وعلى القطاعات الإنتاجية التي لا تزال تعاني ارتفاع تكاليف التشغيل، فضلا عن تحسين الظروف المعيشية للأسر اللبنانية. إن أي جهد قطري أو عربي أو دولي لإعادة الإعمار يكتسب قيمة إضافية عندما يقترن بخطة لبنانية واضحة، وبمؤسسات قادرة على إدارة المشاريع ومراقبة تنفيذها وضمان وصول المنافع إلى مستحقيها من إعمار 2006 إلى إعادة بناء ما دمرته الحروب تحتل التجربة القطرية في لبنان بعد حرب يوليو/تموز 2006 مكانة بارزة في الذاكرة اللبنانية، بعدما ساهمت قطر في جهود إعادة الإعمار ودعم المتضررين. واليوم، يعود ملف إعادة الإعمار إلى الواجهة في ظل الأضرار التي لحقت بالمناطق الجنوبية، والحاجة إلى توفير الظروف التي تسمح بعودة السكان إلى قراهم واستعادة نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الجمع بين الدعم الإنساني والمساعدات التنموية والاستثمارات طويلة الأجل، بما يضمن ألا تقتصر إعادة الإعمار على ترميم الأبنية المتضررة، بل تمتد إلى إصلاح البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية. فإعادة بناء المنازل والطرق وشبكات الكهرباء والمياه ليست مسألة عمر