لا تقف المشكلة البيئية في لبنان عند حدود العثور على مكان لاستقبال النفايات، أو تحديد موقع لمقلع أو كسارة. فخلف كل قرار بالتشغيل أو إعادة الفتح، يبرز السؤال عن الشروط التي تحكمه، والرقابة التي تواكبه، والجهة التي تتحمّل مسؤولية الضرر. وبين ضرورة تأمين الخدمات وحماية المناطق المحيطة بها، تصبح قدرة الدولة على فرض المعايير جزءًا أساسيًا من أي معالجة. وقد أعادت التطورات الأخيرة إبراز هذه المعضلة. ففي سرار، أُعيد فتح المكب مؤقتًا لتفادي تراكم النفايات، بانتظار تشغيل المطمر الصحي ومعمل المعالجة، المتوقع بحلول نهاية شباط 2027، وفق ما أعلنته وزيرة البيئة تمارا الزين. لكن الحاجة إلى حل انتقالي تضع الرقابة على التشغيل في صلب المسؤولية، خصوصًا مع تأكيد الوزارة ضرورة إلزام الجهات المشغّلة بالشروط البيئية وحماية القرى المحيطة. أما في طرابلس، فاتخذت الأزمة منحى أكثر خطورة، بعدما أعلن مجلس الإنماء والإعمار، في 2 تشرين الأول الحالي، دخول جهات مجهولة عنوة إلى المطمر وإفراغ شاحنات النفايات داخله، رغم استنفاد قدرته الاستيعابية وتوقف الشركة المتعهدة عن الاستقبال. وهو تطور حذّر المجلس من انعكاساته على منشآت المشروع والسلامة العامة، بما يضع مسألة حماية المرافق واحترام حدود قدرتها على الاستيعاب أمام اختبار مباشر. وبالتوازي، يبقى ملف المقالع والكسارات مفتوحًا على مسار مختلف من المساءلة، يتصل بتحصيل مستحقات الضرر البيئي وكلفة التأهيل. وكانت وزارة البيئة قد أعلنت، في 20 أيلول الماضي، إرسال 519 أمر تحصيل إلى وزارة المالية بقيمة تتجاوز 1.3 مليار دولار، موضحة أن التحصيل لم يكن قد بدأ حتى ذلك التاريخ، في ظل اعتراضات أمام الوزارة والمحاكم المختصة وطعون أمام مجلس شورى الدولة. تختلف هذه الملفات في طبيعتها ومسارات معالجتها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف تتحوّل المعايير البيئية إلى التزامات قابلة للتنفيذ والمتابعة؟ فالمعالجة المؤقتة تحتاج إلى رقابة طوال فترة العمل بها، كما أن تقدير الضرر يحتاج إلى استكمال الإجراءات التي تتيح تحصيل كلفته وتأهيل المواقع المتضررة. في هذا السياق، تضع النائبة نجاة عون النقاش الذي دار بينها وبين وزيرة البيئة في مجلس النواب، في إطار الاعتراض على انتهاكات بيئية، مؤكدةً في حديث لـ"ليبانون ديبايت" أن القضية تتعلّق بمضمون الملفات المطروحة ومتابعتها، بعيدًا عن أي خلاف شخصي. وتقول عون: "النقاش ليس بين الأشخاص، كنت أرفع صوتي لأن هناك انتهاكات بيئية". وفي عرضها لأبرز هذه القضايا، تشير عون إلى انتشار المقالع والكسارات في مختلف المناطق، وتتطرّق إلى وجود معمل زفت في عين دارة "على رأس الجبل". كما تتحدث عن معامل إسمنت تقول إنها تعمل في مواقع غير مصنّفة، وفق التنظيم المدني، ضمن الأماكن المقبولة للمقالع، وتثير أيضًا مسألة إزالة الكلنكر. وتضع هذه الملاحظات مسألة ملاءمة المواقع للأنشطة القائمة فيها في صلب النقاش. فالبحث في أي ملف بيئي يستدعي تحديد طبيعة النشاط وشروطه ومدى توافقه مع تصنيف الموقع، ثم توضيح الإجراءات المتخذة حيال أي مخالفة تثبتها الجهات المختصة. ومن هنا، تبرز أهمية تقديم أجوبة محدّدة عن الوقائع التي تطرحها عون، بما يسمح بمتابعة الملف على أساس واضح. وتشمل الملفات التي تطرحها عون كذلك المشكلات المرتبطة بالمكبات ومواقع الطمر، وقضايا الرقابة البيئية ومدى الالتزام بالمعايير المطلوبة، مؤكدة أن أولويتها تبقى متابعة هذه المشكلات والعمل على إيجاد حلول لها.