تدفع الخسائر الاقتصادية المتراكمة في قناة السويس، إلى جانب الالتزام الاستراتيجي تجاه السعودية، مصر تدريجيًا نحو قلب المواجهة الإقليمية مع الحوثيين، وسط تصعيد بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف العمق السعودي ومطارات ومنشآت نفطية حيوية، فيما تحاول القاهرة حتى الآن ضبط تدخلها ضمن إطار دفاعي يمنع انزلاقها مجددًا إلى المستنقع اليمني. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، فإن التصعيد الواسع الذي تقوده الهجمات الحوثية على السعودية، وما يرافقه من ضغط متزايد على منظومات الدفاع الجوي ورغبة في بناء ردع أمام المحور الإيراني، أدى إلى تطور دراماتيكي على المستويين العسكري والدبلوماسي، تمثل في عرض مصري لمساعدة الرياض. ونقلت وكالة "رويترز" أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعا بالفعل البرلمان في القاهرة، أمس الأحد، للحصول على موافقة طارئة تتيح نشر قوات ومعدات عسكرية خارج حدود البلاد. كما أعلن مجلس الأمن القومي المصري استعداده لتقديم "كل أشكال الدعم الممكنة" للدفاع عن أمن السعودية وأراضيها، وهي دولة موّلت على مدى سنوات العديد من صفقات السلاح المصرية. ومع ذلك، تشير المعطيات الحالية إلى أن التدخل المصري سيبقى، في هذه المرحلة على الأقل، دفاعيًا. وتخطط القاهرة لتقديم دعم في مجال الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي حول المنشآت الاستراتيجية، واعتراض الطائرات المسيّرة، وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية. وفي المقابل، تؤكد مصر أنها لا تنوي إرسال مقاتلات لتنفيذ ضربات داخل اليمن، ولا تولي قيادة العمليات البرية. ويعود جزء من هذا الحذر إلى الذاكرة التاريخية القاسية للتدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وهي تجربة دامية لا تزال حاضرة في حسابات القادة العسكريين في القاهرة. لكن إلى جانب الالتزام الاستراتيجي تجاه الرياض، تمتلك مصر أيضًا ما يصفه التقرير بـ"مصلحة اقتصادية وجودية". فقد أدت تهديدات الحوثيين لخطوط الملاحة إلى خسائر ضخمة بلغت نحو 11 مليار دولار من عائدات قناة السويس، في وقت يعيش ويعمل ملايين المصريين في السعودية. ويهدف الدعم المصري، وفق التقرير، إلى توجيه رسالة ردع قوية، ولكن من دون أن تنغمس القاهرة مجددًا في حرب يمنية مفتوحة. وفي موازاة هذا التحرك، سجل الحوثيون إنجازًا عسكريًا باستخدام سلاح متطور، في حادثة تحولت من رواية سعودية أولية عن "عطل فني" إلى إحراج عملياتي وإعلامي. فقد كانت السعودية قد أعلنت في البداية أن مروحية قتالية تحطمت نتيجة عطل تقني، ما أدى إلى مقتل فردين من طاقمها. لكن الحوثيين نشروا بعد ساعات تسجيلًا يظهر مروحية من طراز "AH-6i Little Bird" تابعة للحرس الوطني السعودي وهي تتعرض للإصابة خلال طلعة عملياتية على الحدود. وكان الحوثيون قد أعلنوا في البداية إسقاط مروحية "أباتشي"، قبل أن يتبين لاحقًا أنها مروحية من طراز مختلف. وبحسب ما يظهر في التسجيل، وعلى خلاف الرواية السعودية الرسمية بشأن العطل التقني، فإن سبب إسقاط المروحية كان ذخيرة دفاع جوي "متسكعة" إيرانية الصنع. ويتعلق الأمر بطائرة صغيرة ذات محرك نفاث تُطلق من منصة، وتحلق في الجو قبل أن ترصد بصورة مستقلة أهدافًا تطير على ارتفاع منخفض وبسرعات بطيئة، مثل المروحيات والطائرات المسيّرة. ولا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى السعودية على خسارة مروحية وطاقم مدرب، بل تحمل أيضًا أبعادًا عملياتية ومعنوية، بعدما كانت المملكة قد خسرت بالفعل طائرة قتالية واحدة، فيما يُعتقد أن مقاتلة أخرى من طراز "تايفون" تعرضت أيضًا للإصابة. ومع تصاعد هذا النوع من التهديدات، باتت القوات السعودية مضطرة إلى اتخاذ مزيد من الحذر وتغيير أنماط الطيران على الحدود مع اليمن. وبين خسائر قناة السويس التي تضغط على الاقتصاد المصري، والتزام القاهرة الاستراتيجي تجاه الرياض، وتصاعد قدرات الحوثيين الهجومية، تبدو مصر أقرب من أي وقت مضى إلى الانخراط في المواجهة، لكن ضمن معادلة دقيقة: الدفاع عن المصالح الحيوية من دون فتح باب حرب يمنية جديدة يصعب إغلاقه.