تروّج موسكو لقاذفتها الاستراتيجية النووية المطوّرة "Tu-160M" باعتبارها أحد أبرز رموز قوتها الجوية، متحدثة عن "ثورة تكنولوجية" شملت نحو 80% من أنظمة الطائرة، إلا أن الأرقام التشغيلية والإنتاجية تكشف صورة أكثر تعقيدًا، مع تأخيرات متكررة وكلفة مرتفعة واختناق صناعي في مصنع قازان، لم يسمح حتى الآن بتسليم سوى قاذفتين جديدتين من أصل 10 تم التعاقد عليها. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، أعاد الكرملين مؤخرًا تسليط الضوء على قاذفة "Tu-160M"، المعروفة في حلف شمال الأطلسي باسم "Blackjack"، فيما أعلن المدير العام لشركة "توبوليف" أن نحو 80% من أنظمة ومعدات الطائرة خضعت لعملية تحديث شاملة، وانتقلت إلى قاعدة رقمية جديدة بالكامل. ومن الخارج، تحافظ الطائرة على بنيتها وشكلها الأسرع من الصوت المعروفين منذ حقبة الحرب الباردة، لكن الرواية الروسية تقول إن ما يوجد داخلها بات بمثابة آلة حرب حديثة بالكامل. وتشمل عملية التحديث الشاملة للقاذفة ذات المحركات الـ4 والجناح ذي الهندسة المتغيرة استبدال ما وُصف بالأنظمة الأساسية، وفي مقدمها محركات "NK-32-02" المطوّرة، ورادار متقدم، وقمرة قيادة رقمية من نوع "Glass Cockpit"، إلى جانب أنظمة جديدة للملاحة والاتصالات. وبحسب التقارير الرسمية الروسية، يتمثل أبرز عناصر التطوير التكنولوجي في التصميم المعياري، الذي يسمح مستقبلًا باستبدال المكونات الإلكترونية القديمة بمعدات أكثر حداثة من دون الحاجة إلى إعادة تصميم هيكل أنظمة القاذفة والتحكم بها. ويقول سلاح الجو الروسي إن هذه المرونة ستتيح للقاذفة التكيّف مع مجموعة أوسع من المهام والمتطلبات العملياتية المتغيرة في ساحة المعركة. وتُعد قاذفات "Tu-160M" الذراع الجوية للثالوث النووي الروسي، الذي يشمل القدرة النووية في الجو والبحر والبر، فيما تستطيع كل قاذفة حمل ما يصل إلى 12 صاروخ كروز بعيد المدى برؤوس نووية داخل حجرة القنابل الداخلية. وعمليًا، تُستخدم هذه الطائرات بصورة نشطة لإطلاق صواريخ كروز في إطار الحرب في أوكرانيا. إلا أن تحليلات صادرة عن جهات استخباراتية غربية تشير إلى فجوة كبيرة بين الخطاب الاحتفالي في موسكو والقدرة العملياتية الفعلية على الأرض. فمن أصل أسطول يضم 18 طائرة "Tu-160M"، لا تنفذ حاليًا سوى 7 قاذفات مهام هجومية في أوكرانيا، فيما تكون ما بين 7 و9 طائرات في أي وقت خارج الخدمة داخل مصنع قازان لأغراض التحديث أو الصيانة أو البناء. وكانت روسيا قد وقّعت في كانون الثاني 2018 عقدًا لإنتاج 10 قاذفات جديدة من طراز "Tu-160M"، بقيمة تقديرية تبلغ نحو 160 مليار روبل. ورغم أن أول طائرة أُعيد بناؤها نفذت رحلتها الأولى في كانون الثاني 2022، فإن الجدول الزمني للأسطول الروسي تعرض لسلسلة من التأجيلات والتأخيرات المتكررة. وحتى نهاية عام 2025، لم تتسلم القوات الجوية والفضائية الروسية سوى قاذفتين جديدتين فقط من أصل 10 طائرات تم طلبها. ويواجه مصنع قازان ضغطًا مزدوجًا، إذ يُطلب منه في الوقت نفسه تشغيل خطوط إنتاج جديدة من الصفر، بالتوازي مع تنفيذ أعمال التحديث والصيانة المستمرة للطائرات القديمة. وأدى هذا الواقع إلى خلق "عنق زجاجة" حاد في عملية الإنتاج، ما يبطئ بصورة كبيرة وتيرة تجديد أسطول القاذفات الاستراتيجية الروسي. وبين خطاب موسكو عن تحديث 80% من أنظمة القاذفة وواقع التسليم البطيء على الأرض، تبدو "Tu-160M" مشروعًا يعكس طموح روسيا للحفاظ على ثقلها الاستراتيجي، لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود القدرة الصناعية على تحويل هذا الطموح إلى أسطول حديث بوتيرة سريعة.