ظلّي الذي يعرفنييا ظلّي،يا آخر ما تبقّى منّيحين تواطأت مع النسيان،وأنكرت وجوهاًما زالت تنام في ملامحي،وتظنّ أنّ الغياب موت.يا رفيق العتمة،يا من رأى انكساريحين كنت أتقن الوقوف،وسمع صراخيحين جعلت الصمت فضيلتي،قل لي:أيّنا أنا؟وأيّنا ما تركه الآخرونثمّ مضوا دون أن يلتفتوا؟لقد نسيت أسماءهم،لكنّني ورثت خوفهم؛نسيت أصواتهم،لكنّني ما زلت أتكلّم بجرحهم؛وأغلقت أبوابهم،لكنّ مفاتيحهاما زالت تصدأ في صدري.ما أغرب الإنسان!يدفن في داخله ألف موت،ثمّ يمشي بين الناسكأنّ قلبه لم يكن يوماً مقبرة،ويسمّي نجاته نضجاً،وخوفه حكمة،وعجزه عن الحبّ اكتفاء.كم من قلبٍ لم يؤذنيعاقبته على خيانة قلبٍ مضى؟وكم من يدٍ امتدّت إليّفقطعت الطريق إليها،لأنّ يداً أخرىتركتني يوماًأصافح الفراغ بكلتا يديّ؟يا ظلّي،هل يشفى الجرح حقاً،أم يتعلّم الجسدكيف يخفي ارتجافه؟وهل ننسى الذين كسرونا،أم نعيد بناءهم فينا،حجراً فوق حجر،ثمّ نبحث عن وجوههمفي كلّ مَن نحبّ؟لعلّ الماضي لا يمضي؛إنّه يخلع وجهه القديم،ويتسلّل إلى أصواتنا،ويختار عنّا ما نخاف،ويبعد عنّا ما نحتاج،ثمّ يتركنا نصدّقأنّنا أصحاب القرار.ولعلّ أقسى الهزائمألّا ننجو ممّن آذونا،بل أن ننجو منهموقد حملنا أذاهم إلى الآخرين؛أن نكره القسوةثمّ نتقن ممارستها،أن نلعن السجّانونحمل مفاتيح سجنهفي أيدينا.يا ظلّي،لم أعد أخاف ما أتذكّر،بل ما صرتهكي أستطيع ألّا أتذكّر.أخاف أن تكون شخصيّتيأبواباً أغلقت في وجهي،وأن تكون قناعاتيندوباً تعلّمت الكلام،وأن يكون بعض ما أسمّيه نفسيطفلاً قديماًما زال ينتظر اعتذاراًلن يأتي.فأيّة حرّيّةٍ هذهإن كنت أهرب من الأمسإلى الأمس نفسه؟وأيّ نجاةٍإن كان كلّ طريقٍ أسلكهيعيدني إلى الجرحبوجهٍ جديد؟لقد تعبتمن محاكمة نفسيعلى ما اضطرّت أن تكونهكي تبقى حيّة،ومن كره النسخة التي انكسرتلأنّها لم تعرفكيف تنجو دون أن تتغيّر.لذلك، يا ظلّي،سأحملك معي،لا لأنّني عجزت عن التخلّص منك،بل لأنّني لم أعد أريدأن أنكر ما صنعني.سأمنح ذاكرتي حقّ الكلام،لا حقَّ الحكم؛وسأعترف بما حدث،دون أن أسمح لهأن يكتب بقيّة عمري.فليس الشفاء أن نعودإلى مَن كنّا قبل الألم،ولا النضج أن ننسىالوجوه التي بكت فينا؛بل أن نراها أخيراً،ونمدّ إليها أيدينا،دون أن نسلّمهامفاتيح الغد.وإن سألني أحدٌ: من أنت؟لن أقول إنّني ما نجوت منه،ولا ما خسرته،ولا ما اضطررت أن أكونهكي لا أنكسر.سأقول:أنا كلّ ما حدث لي،لكنّني لست عقوبةً أبديّةعلى ما حدث.أنا ذاكرة تتعلّم الرحمة،وجرح يرفض أن يصبح سلاحاً،وقلب، رغم ما ورثه من العتمة،يختار ألّا يورّثها.يا ظلّي، ابق إن شئت،لكن لا تعد سيّدي.لقد قضيت عمراًأهرب منك،حتى كدت أفقد الطريق إليّ.والآن،سأمشي معك،لا خلفك،ولا تحت حكمك؛سأترك لك حقّ التذكّر،وأحتفظ لنفسيبحقّ الاختيار.فأنا لا أريد أن أمحو ماضيّ،ولا أن أعيش سجينه؛أريد فقطألّا يتحوّل ما كسرنيإلى يدٍ أخرىتكسر.فبعض الظلال لا يقتلها النور،ولا يمحوها النسيان؛إنّما تتحرّرحين نتوقّف عن إنكارها،ونتعلّم أخيراًأن نكون أكثر من جراحنا.