قد يكون السؤال عن احتمالات سقوط النظام الإيراني إثر العقوبات الأميركية "القاسية" كنتيجة غير مباشرة وبعيدة الأمد الأكثر انتشاراً، كون الولايات المتحدة أعلنت فرض حرب اقتصادية ضد إيران ولمّح وزير الخزانة إلى أنها قد تطيح النظام. لكن حملة العقوبات التي كان من المتوقع أن تكون أشد وتشمل أوصولاً صينية، قد تكون أضعف من إسقاط النظام لجملة من المعايير. العقوبات الأميركية على إيران هي الأقسى خلال الفترة الأخيرة، لكنها ناقصة لسببين: الأول لأنها لم تشمل الأصول الصينية والشرق آسيوية التي تستورد الكميات الأكبر من النفط الإيراني وتجري القدر الأكبر من المعاملات التجارية مع إيران. الثاني لأنها يتيمة ولا تترافق مع عقوبات أممية بالقسوة نفسها وضغوط كافية من قبل المجتمع الدولي ضد إيران. قد تكون العقوبات إحدى أدوات إسقاط الأنظمة، لأن محاولات تجفيف الموارد المالية عادة ما تنعكس تضخماً على الاقتصاد وارتفاعاً للأسعار وتراجعاً للقدرات الشرائية، وهذا الواقع ينجم عنه نتيجتان: الأولى، تراجع القدرات التشغيلية للنظام الإيراني، وضمناً القدرات العسكرية والتسلحية. والثانية، نقمة شعبية قد تتحول إلى تظاهرات احتجاجية ضد النظام. تخشى السلطات في طهران هذه السيناريوات، لكنها لا تعتبرها وجودية وقاضية. تعي السلطات أنها تستمد شرعية دينية وسياسية واسعة من قبل شريحة كبيرة مؤيدة للنظام أيديولوجياً. والتأييد الأيديولوجي من قبل شريحة واسعة جداً في الداخل الإيراني قوي ولا يهتز بسهولة. وبالمقابل، ما زالت المعارضة رغم انتشارها محدودة الفاعلية، والتجارب السابقة أثبتت هذا الواقع. كما تعرف السلطات الإيرانية كيف تلتف على العقوبات الأميركية. ليست المرة الأولى التي تواجه إيران عقوبات، بل يتمتع نظامها بخبرة تقترب من حافة الـ50 عاماً. تعلّمت السلطات كيفية الالتفاف على العقوبات وابتكار أساليب جديدة لبيع النفط والمشاركة بالتجارة العالمية من خلف الستار، ولجأت إلى أساليب متعددة خلف الكواليس، بينها التبادل المالي الرقمي والعملات المشفرة. ثم إن إيران تعرف موقعها على خريطة العالم المناقض للغرب، أي الصين وروسيا وخلفهما المعسكر الشرقي والجنوب العالمي. ساهم الطرفان على مدى سنوات، ولا سيما خلال الحرب الأخيرة، في دعم صمود إيران وشراء نفطها وتأمين التكنولوجيا اللازمة لسلاحها واستخباراتها. وتعرف أنها حاجة طاقوية والصين تريد الحفاظ على نظامها الذي يوحدها بدل الثورات والانقلابات التي قد تقسّمها. محلل الشؤون الخارجية أولريتش بومان يستبعد خلال حديث مع "النهار" انهيار النظام الإيراني، ويذكّر بتجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات خلال سياسة "الضغط القصوى" عام 2018، والتي "لم تسقط النظام"، بل إن إيران تمكّنت خلال السنوات الأخيرة من تطوير ترساناتها العسكرية. وبالتالي، يعتقد بومان أن النظام الإيراني "ما زال قادراً على الاستمرار". ووفق بومان، فإن الولايات المتحدة تحاول اعتماد سياسة جديدة مع إيران، بعد الحرب العسكرية المباشرة والحصار البحري الاقتصادي، لكن حسب تقديراته، فإن الهدف محاولة "إجبارها على تقديم التنازلات" خلال المفاوضات. حتى أن الاعتماد على الاحتجاجات الشعبية التي قد تخرج إثر التضخم وارتفاع الأسعار مبالغ به، لأن إيران "ترسل رسائل لشعبها من خلال عمليات الإعدام اليومية". سبب من أسباب تراجع فعالية العقوبات الأميركية الحالية هو تجنيب الصين، المستورد النفطي الأكبر من إيران. في هذا السياق، يقول بومان إن الولايات المتحدة "لن تفرض حرباً تجارية" مع الصين قبل زيارة الرئيس الصين تشي جين بينغ لواشنطن، والصينيون أنشأوا شركات لا ترتبط بالنظام الدولاري تتعامل مع إيران، وبالتالي لا يمكن معاقبتها. في المحصلة، فإن نتائج العقوبات على إيران حتمية، وستؤثر على قدرات إيران نظاماً وشعباً، لكنها من غير المرجّح لن تسقط القيادة الحالية لجملة من الاعتبارات المذكورة سلفاً. الأنظار ستتجه نحو تأثير العقوبات على إيران، وانعكاساتها على الشارع الإيراني، وعلى القمّة المقبلة بين ترامب ونظيره الصيني، وموعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، والغد لناظره قريب.