لم يكن منتدى روسيا الحرة الذي انعقد في وارسو يومي 10 و11 تشرين الأول/ أكتوبر اجتماعاً للمعارضة الروسية بمختلف تياراتها، بل كان أقرب إلى تجمع لأنصار غاري كاسباروف، أحد أبرز وجوه المعارضة الروسية في الخارج. وفي التقرير الذي نشره في 13 الجاري موقع votak البولوني الناطق بالروسية، وتناول جلسة افتتاح المنتدى، رأى الصحافي إيليا أزار أنه "حتى كاسباروف" ردد ما كان يقوله في المنتديات السابقة. وأشار إلى أن المشاركين في المنتدى تحدثوا علناً عن تقسيم روسيا، وعن انتصار أوكرانيا وقواعد الناتو قرب سانت بطرسبورغ، وكذلك عن الإرهاب الذي ينبغي للروس أن يمارسوه ضد نظام بوتين من خلال حرب العصابات. ورأى الصحافي أن المشاركين "لا يتعجلون العودة إلى روسيا". قال الصحافي إنه رأى في بهو الفندق الفخم الذي عقد فيه المنتدى معارضاً من جمهورية أودمورتيا يصفّ على الطاولة نسخاً من كتابه "السيكولوجيا السياسية عند بوتين". وأشار إلى أن الرجل هو مؤسس حركة "أودمورتيا الحرة" التي تعتبرها السلطات الروسية حركة إرهابية. المنتدى الذي لم يحضره ممثل عن السلطات البولونية وكبار شخصيات المعارضة في الخارج، يشير إلى أنه بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة على الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، لا تزال المعارضة التي تعمل في الخارج عاجزة عن الاجتماع في إطار سياسي مشترك. فبينما يرى كاسباروف وأنصاره أن هزيمة روسيا في الحرب شرط لتغيير النظام، لا تتبنى جميع الشخصيات المعارضة الموقف نفسه، ولا تتفق على ما ينبغي فعله لتحقيق التغيير. ويؤكد انعقاد الدورة الخامسة عشرة أن المنتدى يكشف أحد خطوط الانقسام العميقة داخل المعارضة. ويذكّر هذا الواقع بالمعارضة السورية في سنوات حكم بشار الأسد. فقد تعددت تنظيماتها وقياداتها، وتنافست على تمثيل السوريين، واختلفت أولوياتها وعلاقاتها بالدول الداعمة لها، من دون أن تتمكن من بناء قيادة سياسية موحدة. لا تتطابق التجربتان، لكن ما يجمعهما هو صعوبة الانتقال من الاتفاق على معارضة النظام إلى الاتفاق على مشروع سياسي مشترك. فوجود خصم واحد لا يكفي وحده لتوحيد المعارضين، ولا يحول تعدد التنظيمات والشخصيات تلقائياً إلى قوة سياسية متماسكة. يحتل ميخائيل خودوركوفسكي موقعاً مهماً في مشهد المعارضة الروسية. وكان قد أُطلق سراحه في العام 2013، بعد نحو عشر سنوات في السجن، في ظروف أثارت آنذاك تكهنات عن تفاهمات أو صفقة تقف وراء الإفراج عنه، سواء مع خودوركوفسكي نفسه أو عبر وساطات غربية، أميركية أو أوروبية. ومنذ ذلك الحين، أصبح من أبرز الشخصيات التي تدعم العمل السياسي والإعلامي المناهض للكرملين. وترتبط بخودوركوفسكي مبادرات سياسية، من بينها اللجنة الروسية المناهضة للحرب، التي تدعو إلى إنهاء الحرب على أوكرانيا وإحداث تغيير سياسي في روسيا. لكنه لم يتمكن من جمع مختلف أطراف المعارضة حول مشروع واحد، حسب موقع meduza في أيار/ مايو المنصرم. وتكشف هذه الحالة عن إحدى مشكلات المعارضة الروسية: فوجود شخصيات بارزة تمتلك الموارد والقدرة على إطلاق المبادرات لا يعني أن بقية الأطراف مستعدة للانضواء تحت قيادتها. وقد يتحول تعدد مراكز النفوذ، بدلاً من أن يكون مصدر قوة، إلى عامل يعرقل بناء جبهة سياسية قادرة على مخاطبة الروس في الداخل والخارج. في حزيران/ يونيو 2026، أطلق المعارض الروسي إيليا ياشين حزب "روسيا السلمية" (Peaceful Russia)، خلال مؤتمر تأسيسي في برلين، وانتُخب رئيساً له. وتكمن أهمية المبادرة في أنها تحاول نقل المعارضة من مستوى الشخصيات والمنابر والمبادرات المتفرقة إلى تنظيم سياسي له برنامج وهيكل وقيادة وآليات لاتخاذ القرار. أعلن ياشين أن هدف الحزب هو الوصول إلى السلطة في روسيا، مؤكداً أن تأسيسه في الخارج لا يجعله حزباً خاصاً بالمهاجرين. وهو بذلك يطرح مشروعاً يتجاوز الاحتجاج على بوتين إلى محاولة بناء بديل سياسي منظم. لكن الحزب الجديد لا يمثل، بمجرد تأسيسه، المعارضة الروسية كلها، ولا ينهي الانقسامات القائمة بين شخصياتها ومؤسساتها، حسب موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW الألمانية في الشهر المذكور. كان أليكسي نافالني، الذي "توفي" في السجن عام 2024، أحد أبرز وجوه المعارضة الروسية، بفضل قدرته على الجمع بين التحقيقات الاستقصائية في فساد النخبة الحاكمة، والنشاط السياسي، والتواصل مع جمهور واسع داخل البلاد. وقد ترك مقتله فراغاً لم تتمكن المعارضة من ملئه، على الرغم من استمرار المؤسسات التي أسسها وفريقه في العمل من الخارج. ويبقى محدوداً الحضور السياسي لزوجته يوليا نافالنايا التي تولت مواصلة النشاط السياسي باسم إرثه. أما "صندوق مكافحة الفساد"، الذي أسسه نافالني، فما زال ينتج تحقيقات ومواد مناهضة للكرملين، لكن بروز دوره السياسي والإعلامي لم يعد كما كان في المرحلة التي كان فيها مؤسسه يقود الحركة. المستع