قبل أكثر من أربعة عقود، قيل لكريستيان أمانبور إنها لا تملك المقوّمات التي تؤهّلها لتصبح مراسلة خارجية، أو حتى للظهور أمام الكاميرا. لم يكن صاحب ذلك الحكم يتخيّل أن المساعدة الشابة في غرفة أخبار "سي إن إن" (CNN) ستصبح يوماً أحد أشهر الوجوه الصحافية في العالم، وأن صوتها سيرافق أجيالاً من المشاهدين في متابعة الحروب والأزمات والتحوّلات الكبرى. اليوم، وبعد مسيرة ارتبطت بالشبكة منذ 43 عاماً، أعلنت الصحافية البريطانية الإيرانية كريستيان أمانبور (68 عاماً) قرارها مغادرة CNN في حزيران/يونيو 2027، منهيةً فصلاً طويلاً من حياتها المهنية ارتبط باسم الشبكة بقدر ما ارتبط باسمها.وقالت أمانبور في إعلانها، الإثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر، إنها توصّلت إلى قرارها بعد أشهر من التفكير وليالٍ من الأرق، مؤكدةً تمسّكها باستقلاليتها الصحافية في مواجهة الضغوط السياسية والمالية والمخاطر المتزايدة التي يتعرّض لها الصحافيون. كريستيان أمانبور : من حلم الطب إلى ساحات الحروب وُلدت أمانبور في لندن عام 1958 لأبٍ إيراني وأم بريطانية، ونشأت في طهران قبل أن تغيّر الثورة الإيرانية عام 1979 مسار عائلتها وحياتها.والمفارقة أنها لم تحلم منذ البداية بأن تصبح صحافية. ففي حديث سابق إلى مجلة "فوغ"، كشفت أنها أرادت دراسة الطب والتخصّص في الجراحة، لكن نتائجها المدرسية لم تؤهّلها لذلك. وكانت لا تزال تبحث عن مستقبلها حين اندلعت الثورة في إيران، وشهدت التحوّلات التي قلبت حياة عائلتها ومجتمعها. هناك أدركت أنها تريد أن تروي ما يحدث حولها، وأن تمنح القصص الإنسانية صوتاً يصل إلى العالم.درست الصحافة في جامعة رود آيلاند الأميركية، والتحقت بشبكة CNN عام 1983 مساعدةً في قسم التكليفات الدولية بمقرّها في أتلانتا. ومن هناك، شقّت طريقها تدريجياً إلى الميدان، قبل أن تصبح مراسلة خارجية عام 1990. كريستيان أمانبور خلال إحدى مهامها الصحافية الميدانية في بدايات مسيرتها الدولية. (GQ México) برز اسمها خلال حرب الخليج عام 1991، قبل أن تصبح تغطيتها لحرب البوسنة وحصار سراييفو من أبرز المحطات التي صنعت شهرتها. وفي مدينة مزّقتها الحرب، اختارت أن تنقل معاناة المدنيين، وأن تواجه الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها الصحافة حين تكون شاهدةً على الفظائع. وقد شكّلت سراييفو منعطفاً في فهمها للموضوعية، إذ رأت أن نقل الوقائع بأمانة لا يعني وضع الضحية والجلّاد في كفّتَين متساويتَين، خصوصاً أمام جرائم الحرب والتطهير العرقي. ومن العراق إلى رواندا وأفغانستان وأوكرانيا، حضرت أمانبور في مناطق النزاع، ناقلةً إلى الشاشات قصصاً وأصواتاً لم يكن العالم ليسمعها بسهولة. أسئلة كريستيان أمانبور لا تُريح أصحاب السلطة لم تقتصر مسيرتها على الجبهات. فقد أجرت مقابلات مع عدد كبير من قادة العالم، ورسّخت حضوراً تلفزيونياً يقوم على الأسئلة المباشرة والمواقف الحازمة.وفي العالم العربي، برزت مقابلاتها خلال محطات سياسية مفصلية، منها لقاؤها الرئيس المصري السابق حسني مبارك في شباط/فبراير 2011، وسط الاحتجاجات الشعبية التي سبقت تنحّيه عن الحكم. يومها، وصلت إلى القصر الرئاسي بعد عبورها أجواء متوتّرة في القاهرة، وانتزعت مقابلة مع مبارك في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في عهده. كريستيان أمانبور أثناء تغطيتها حرب البوسنة داخل مبنى مدمّر في سراييفو عام 1993. (Oslobođenje) واشتهرت بمقولتها التي تختصر رؤيتها إلى المهنة: "كونوا صادقين دائماً، لا محايدين"، انطلاقاً من قناعتها بأن الصحافة لا تستطيع مساواة الحقيقة بالتضليل تحت عنوان الحياد.وحصدت خلال مسيرتها جوائز صحافية وتلفزيونية مرموقة، بينها جوائز "إيمي" و"بيبودي"، كما منحتها مدينة سراييفو المواطنة الفخرية تقديراً لتغطيتها حرب البوسنة. خلف المراسلة الشجاعة... أمّ تعرف الخوف لكن المرأة التي اعتاد العالم رؤيتها وسط القصف لم تكن بمنأى عن الخوف.فقد تحدّثت أمانبور في مقابلات سابقة عن التحوّل الذي أحدثته الأمومة في حياتها. وبعد ولادة ابنها، لم تعد المخاطرة في ساحات الحرب مسألة تخصّها وحدها. أصبحت تفكّر في احتمال ألّا تعود إليه، وفي ضرورة أن تكون حاضرة في حياته.وقالت إنها صارت أكثر حذراً في تقدير الأخطار والفترات التي تمضيها في مناطق النزاع. ومع بلوغ ابنها العاشرة، اختارت الانتقال بصورة أكبر إلى العمل داخل الاستوديو، بعدما أمضت سنوات على الجبهات. وفي عام 2021، واجهت معركة شخصية أخرى، حين أعلنت إصابتها بسرطان المبيض وخضوعها لجراحة وعلاج كيميائي. وتحدّثت علناً عن تجربتها لتشجيع النساء على الانتباه إلى أجسادهن وعدم تجاهل الأعراض أو المخاوف الصحية. كريستيان أمانبور تحمل جائزة إيمي الدولية عام 2019. (UPI) لم تكن علاقة أمانبور بـCNN متواصلة من دون انقطاع، إذ انتقلت عام 2010 إلى شبكة ABC لتقديم البرنامج الس