من الرشوة وصرف النفوذ إلى الإثراء غير المشروع واسترداد الأموال المنهوبة، قراءة في التحفظ التفسيري الذي منع حصر جرائم الفساد المستثناة في بنود محددة من قانون العفو العام. لم تكن المسألة الأكثر حساسية في قانون العفو العام رقم 70/2026 متصلة فقط بالجرائم التي أدرجها المشرّع صراحةً ضمن الاستثناءات، بل أيضًا بما يمكن أن يحدث للجرائم التي لم يسمّها القانون بالوضوح نفسه. ففي قضايا الفساد، لا تتوقف المسؤولية بالضرورة عند الموظف العام الذي يتلقى الرشوة أو يستغل وظيفته؛ إذ قد تمتد إلى من يدفعها، والوسيط الذي يرتبها، والشريك الذي يسهم فيها، والمستفيد الذي تنتقل إليه الأموال، وصولًا إلى من يتولى إخفاء العائدات المتأتية منها. من هنا، اكتسب قرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026 أهمية تتجاوز تصحيح عبارة أو تفسير بند منفرد. فقد وضع حدًا لقراءة كان من شأنها أن تحصر جرائم الفساد المستثناة من العفو في فئات محددة وردت في البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية، وتترك جرائم فساد أخرى خارج الاستثناء، رغم ورود نصوص قانونية تجرّمها ورغم اتصالها بالمال العام أو باستغلال الوظيفة أو بتحقيق منافع غير مشروعة. والنتيجة التي انتهى إليها المجلس واضحة: لا يجوز حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في هذين البندين، بل يجب أن يشمل الاستثناء جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين النافذة والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أيًا كانت صفتهم. كما أن العفو لا يمنع الدولة من تحصيل حقوقها بوصفها متضررة، ولا يحول دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد. بهذا التحفظ التفسيري الملزم، لم يُبطِل المجلس المادتين الأولى والثانية من القانون، بل أبقاهما نافذتين ضمن القراءة الدستورية التي حدّدها، مانعًا أن يؤدي تفسير ضيق لبعض الاستثناءات إلى إفراغ أحكام أخرى من مضمونها. أولًا: لماذا لم يكن البندان التاسع والعاشر كافيين؟ نص البند التاسع من المادة الثانية على استثناء جرائم الإثراء غير المشروع المحددة في القانون رقم 189 الصادر في 16 تشرين الأول 2020، ضمن الفئات التي أوردها النص، ومنها الجرائم المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها، والأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، والتهرب الضريبي. أما البند العاشر، فتناول الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، إلى جانب الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف، والجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المصرفية، وفق الصياغة الواردة في القانون. لكن الاعتراض الذي عُرض على المجلس الدستوري انطلق من أن حصر الاستثناء بهذين البندين قد يؤدي إلى نتيجة غير متوازنة: تبقى بعض صور الفساد خارج العفو، بينما تستفيد منه صور أخرى لا تقل عنها خطورة، لمجرد أن المشرّع لم يذكرها بالاسم في هذين الموضعين. ومن الأمثلة التي تناولها القرار جرائم الرشوة وصرف النفوذ واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة، فضلًا عن صور من الإثراء غير المشروع لا تقوم بالضرورة على اختلاس الأموال العامة. وهذه جرائم ينظمها قانون العقوبات أو تشريعات خاصة، ولا يصح افتراض أنها أصبحت مشمولة بالعفو لمجرد عدم ورودها جميعًا في البندين التاسع والعاشر. وقد رأى المجلس أن قراءة البندين بمعزل عن بقية القانون تتجاهل ثلاثة أحكام مترابطة: الفقرة الثانية من المادة الأولى التي استبعدت تهم الفساد المالي من بعض آثار العفو المتعلقة بالموظفين، والبند السابع من المادة الثانية الذي استثنى الجرائم الواقعة على المال العام بصيغة عامة، والبندين الثامن والتاسع والعاشر بما تضمناه من استثناءات مالية ومصرفية وجزائية. لذلك، لم يتعامل المجلس مع كل بند بوصفه جزيرة تشريعية مستقلة، بل قرأ أحكام القانون مجتمعة. وهذه نقطة أساسية في فهم القرار: لا يجوز اقتطاع استثناء محدد ثم الاستنتاج، من مفهوم المخالفة، أن كل جريمة لم تُذكر فيه أصبحت مشمولة بالعفو، إذا كان ذلك يؤدي إلى إفراغ استثناءات أخرى من مضمونها. ثانيًا: الفساد ليس جريمة الموظف وحده أحد أهم أوجه التعليل في القرار أن جرائم الفساد، بطبيعتها، قد تتوزع المسؤولية فيها على أكثر من شخص، ولا تقتصر على الموظف العمومي. فالرشوة، على سبيل المثال، قد تتطلب وجود من يدفع المال أو المنفعة، ومن يتلقاها، وقد يتدخل وسيط لتسهيل العملية. واستغلال الوظيفة أو صرف النفوذ قد يحقق منفعة لشخص من خارج الإدارة، فيما قد تتوزع الأدوار في بعض الجرائم بين فاعل وشريك ومتدخل ومحرض ومخبئ للعائدات. ولهذا السبب، اعتبر المجلس أن استثناء جرائم الفساد يجب أن يمتد إلى جميع المساهمين فيها، وفق الأوصاف ال