ليون، مساء الثلاثاء الفائت. المناسبة عرض فيلم "الشياطين" للبريطاني كَن راسل، في نسخة مرمَّمة، تعيد إلى الشاشة عملاً ظلّ طويلاً أسير الرقابة، قبل أن يستعيد صورته الكاملة بعد عقود من الحذف والمنع. إيروسية وعنف في كوكتيل بصري صادم، تولّت ترميمه "وارنر"، ليعود العمل، بعد أكثر من نصف قرن على إنجازه، محتفظاً بقدرته على القرص، اذ لم يفقد شيئاً من حدّته الأصلية. يعود راسل بنا إلى فرنسا القرن السابع عشر وإلى قضية راهبات لودان الممسوسات. هناك حيث تجتمع الرغبات الجسدية مع السلطة الدينية، والإيمان بالشهوة، والتقوى بالنفاق. الأب أوربان غراندييه (أوليفر ريد)، الشخصية الدينية النافذة، يتحوّل هدفاً لحملة تنتهي باتهامه بالهرطقة وإحراقه. يستند الفيلم إلى وقائع تاريخية، تفضي إلى تشريح "هستيري" لآليات السلطة، ولقدرة الشخصيات الكاريزماتية على إخضاع الآخرين والتلاعب بمخاوفهم ومعتقداتهم. منذ عرضه في السبعينات، خاض "الشياطين" معارك على جبهات متعدّدة، من الفاتيكان إلى فنلندا، حيث ظلّ محاصراً بالمنع والرقابة ثلاثة عقود. ولعل ما يثير الدهشة اليوم أن الفيلم، على الرغم من مرور كلّ هذه السنوات، لم يفقد الكثير من قدرته على إرباك المتفرج واستفزازه. ويرى بعضهم أن عملاً بهذه الجرأة يصعب أن يرى النور في مناخنا السينمائي الراهن. النسخة الجديدة، المرمَّمة انطلاقاً من النيغاتيف الأصلي، تذهب أبعد من مجرد تحسين الصورة والصوت، فتغدو محاولة لاستعادة الفيلم من تاريخ طويل من التشويه والاقتطاع، وإعادة المشاهد المحذوفة إلى العمل، بما يتيح الاقتراب أكثر من رؤية راسل الأصلية. هذه من أبرز مزايا مهرجان لوميير السينمائي لسينما الكلاسيكيات في ليون (18 - 10 الجاري)، الذي يذكّرنا بأن تاريخ السينما ليس مجموعة من الأعمال المنجزة والمحفوظة فحسب، وإنما أيضاً سجلّ طويل من الأفلام التي حوربت، ونسخ بُتِرت، ورؤى أُريد لها أن تختفي. في دورة هذا العام، سيُعرض أكثر من 150 فيلماً قديماً (وبعض العروض الأولى لأفلام حديثة) في عدد كبير من الصالات الموزّعة على أرجاء المتروبول، على امتداد برنامج غني تتجاور فيه الأنواع والمدارس والحقب، من دون أن يُملي ذائقة واحدة على الجمهور. فـ"لوميير"، الذي يرفع شعار "مهرجان سينمائي للجميع"، يبرهن أن الاحتفاء بالسينما لا يقتصر على استعادة روائعها المعروفة، وإنما يشمل أيضاً إعادة اكتشاف ما ظلّ بعيداً من الأنظار ولم ينل حقّه من التكريس. كان معظم الحاضرين مساء ذلك الثلاثاء من جيل معيّن، كثيرون منهم متقاعدون أو متفرغون، ممّن يملكون فسحة من الوقت لملاحقة الأفلام. قبل دقائق من انطلاق العرض، نهضت سيدة سبعينية من مقعدها، ودعت الحضور للاحتجاج على نقل ما كان يُعرف بـ"قرية السينما" من حديقة معهد لوميير إلى "أوتيل ديو دو ليون"، المبنى التاريخي في وسط المدينة الذي كان مستشفى، قبل أن يتحوّل إلى مجمّع يضم مكاتب ومحال تجارية ومطاعم ومتاحف وفندقاً. مدير المهرجان تييري فريمو مع المخرج الأميركي أبيل فيرارا. نقل القرية لم يكن مجرد تغيير في العنوان، فقد أحدث شرخاً داخل البنية الجغرافية للمهرجان، اذ يصعب فصل "شارع الفيلم الأول" عن روح مهرجان لوميير وذاكرته. هناك، في محيط مصنع الأخوين لوميير، كانت الصالات والمقاهي والمكتبة تضجّ بالرواد طوال أيام التظاهرة، في مشهد يجعل المكان جزءاً من التجربة. تتضارب الروايات حول أسباب هذا الانتقال. فثمة مَن يربطه بخلاف مع البلدية، التي يُقال إنها طالبت بمبالغ كبيرة لإبقاء القرية (الموقتة) في موقعها السابق، فيما يرى آخرون أن الخطوة تندرج في سياق الترويج لموقع جديد في قلب ليون. يكشف هذا الاعتراض عن أكثر من مجرد حنين إلى المكان القديم. ذلك انه يعكس، في جانب منه، رغبة في الحفاظ على الحجم الإنساني للمهرجان، بعيداً من تضخّم التظاهرات الكبرى. "لا نريد مهرجان كانّ آخر"، تقول سيدة أخرى، في عبارة تختصر خشية من أن يفقد "لوميير" من حميميته كلما اتسعت شهرته. ثمة أيضاً تعلّق أهل المدينة بمهرجان يزداد أهمية عاماً بعد عام، وخوف من أن يفلت من أيديهم، أو أن يتحوّل إلى حدث لا يشبههم. فالسينيفيلية، في نهاية المطاف، واحدة من أكثر الهوايات أنانية. يريد كلّ عاشق للسينما أن يحتفظ لنفسه بشيء من اكتشافه، وبمكانه الخاص داخل هذه العلاقة. أتفق مع كلود لولوش، ابن التاسعة والثمانين، الذي حضر إلى ليون لتقديم فيلمه "رجل وامرأة"، العمل الذي مثّل، في ذاته، انتفاضة جمالية، واستُقبل في الصالة بتصفيق حاد، بعد 60 عاماً على فوزه بـ"السعفة الذهب" في كانّ. قال لولوش إن لوميير "أكبر مهرجان في العالم"، عبارة قد تبدو مبالغاً فيها، لكنها ليست خالية من الوجاهة، خصوصاً إذا أخذنا في الحسبان طبيعة العلاقة التي يقيمها المهرجان بين المشاهدين (بعضهم يبقى في الصالة إلى آخر الجنريك) والأفلام، فيما