طرحت زيارة رئيس الوزراء القطري لـ"بيت الوسط"، تزامنا مع الاجتماع الموسع لـ"تيار المستقبل" في البيال والتوجه إلى لقاءات مناطقية، تساؤلات عما إذا كانت الحريرية السياسية تستعد لاستعادة حضورها في المشهد اللبناني، أو أن ما يجري لا يزال في إطار تقييم الأداء والمرحلة السابقة، تحضيراً لعناوين المرحلة المقبلة. في الشكل، ما من معطى يؤكد اتخاذ قرار نهائي بالعودة إلى العمل السياسي، لكن تزامن هذه اللقاءات يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز طابعها التنظيمي، خصوصاً في ظل استمرار الفراغ الذي تركه ابتعاد "تيار المستقبل" عن المشاركة السياسية المباشرة منذ عام 2022. لكن اللافت هو زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لـ"بيت الوسط" ولقاؤه بهية الحريري ونادر الحريري، وهي زيارة شكلت محطة لافتة في سياق الاتصالات السياسية اللبنانية، إذ إنها المرة الأولى منذ آخر زيارة لسعد الحريري لبيروت، يفتح "بيت الوسط" أبوابه أمام زائر ديبلوماسي رفيع، في توقيت حساس لا يمكن فصله عن الدور الذي تؤديه الدوحة في ظل الاضطرابات الأمنية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، علماً أن أيّ تحرك للعاصمة القطرية، مهما تمايز، لا يخرج سقفه عن التنسيق مع المملكة. وعليه، لا يمكن وضع الزيارة في إطار دعم قطري مباشر لعودة سعد الحريري، لكنها تؤكد استمرار التواصل مع "بيت الوسط"، بما يمثله من رمزية سياسية وعربية. فقطر التي تؤدي دوراً ديبلوماسياً في لبنان وتدعم مؤسسات الدولة، تحرص على إبقاء قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية مفتوحة. وفي رأي مصادر سياسية مراقبة، لا يمكن تحميل الزيارة أكثر مما تحتمل. وإذا كان المؤشر الثاني تمثّل في اجتماع "تيار المستقبل" في البيال وما رافقه من حديث عن لقاءات مناطقية، يعكس محاولة لإعادة تنشيط القواعد الشعبية والمنسقيات، فإن مصادر "مستقبلية" أكدت أنه يأتي في إطار رغبة التيار، في ظل الفراغ السياسي الذي تركه خروجه من العمل السياسي على الساحة السنية، في تقييم حضوره السياسي والتنظيمي بعد سنوات من الانكفاء، خصوصاً أن محطة الرابع عشر من شباط باتت قريبة وتتطلب حس نبض الشارع الأزرق ومدى ثباته على المبادئ والمشروع الذي أرساه الرئيس المؤسس، وورثه نجله سعد. وتضيف المصادر أن هذا يعني أن أيّ رهان على عودة محتملة لا يمكن أن يقوم على شعبية سعد الحريري وحدها، بل يحتاج إلى تنظيم فاعل، وقيادات محلية، وخطاب سياسي يجيب عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسيادية التي تواجه لبنان، ويعيد ملء الفراغ الذي خلّفه انكفاء الحريري وتياره، ليس على الساحة السنية فحسب، وإنما أيضاً في الحياة السياسية وبالتوازن مع الجانب الشيعي الذي يتفرد اليوم بفعل التراجع السني، بالنفوذ والسيطرة. من هنا، تقول المصادر إن الاجتماعات المناطقية ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة التيار على استعادة التواصل مع جمهوره، وربما التحضير لاستحقاقات سياسية مقبلة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حسم قرار المشاركة في الانتخابات أو العودة الكاملة إلى العمل السياسي. وما بين خيار العودة القريبة واختبار الجهوزية، يبرز احتمالان أساسيان، بين أن يكون "المستقبل" في صدد إعادة بناء تنظيمه الداخلي من دون قرار وشيك بالعودة، أو أن تشكل هذه التحركات مرحلة تحضيرية لعودة تدريجية تتضح معالمها لاحقاً، لكن العامل الحاسم يبقى موقف سعد الحريري نفسه، الذي أعلن عام 2022 تعليق مشاركته في الحياة السياسية ودعا تياره إلى عدم خوض الانتخابات النيابية. وهذا أمر لم تبرز أيّ مؤشرات عملية في شأنه، مع استمرار الحريري على صمته وغيابه عن الصورة المحلية وحتى الإقليمية في ظل ما تتعرض له السعودية اليوم، وهي التي أقصته عن العمل السياسي. وهذا يفضي إلى القول إن التحركات الأخيرة قد تكون مؤشرًا لحيوية تنظيمية متجددة داخل "المستقبل"، لكنها لا تكفي وحدها للإثبات أن قرار العودة قد اتُّخذ. والسؤال الدائم الذي يراود المستقبليين يبقى ما إذا كان قد حان الوقت ليستعدّ الحريري لاستعادة دوره، وبأي صيغة، وفي أي توقيت سياسي لمنطقة تتقلب على صفيح ساخن؟