لم يستكِن المشهد السياسي والنيابي في بيروت أمام القرار الأخير الصادر عن المجلس الدستوري بشأن قانون العفو العام وتخفيض العقوبات. فالقرار الذي تضمّن «تحفّظات تفسيرية ملزمة»، قرأت فيه أطراف نيابية عدة، وتحديداً في صفوف النواب السنّة، خطوة تتجاوز حدود الرقابة على دستورية القوانين لتلامس إعادة صياغة التشريع والانتقاص من الغاية السياسية والاجتماعية التي أُقرّ لأجلها. في هذا السياق، شهد المجلس النيابي، اليوم الاثنين، تحرّكاً اعتراضياً تمثّل في اجتماع طارئ ضمّ 16 نائباً سنياً. ولم يقتصر الهدف على التعبير عن الاعتراض على مسار القانون، بل امتدّ إلى وضع خطة تحرّك تشمل الرئاسات الثلاث والجهات القضائية، رفضاً لما وصفه النواب بمصادرة صلاحيات المجلس النيابي والالتفاف على إرادة المشرّع. لم يبقَ التحرّك في إطار الموقف النيابي الرافض لقرار المجلس الدستوري، بل انتقل إلى لقاءات مباشرة مع المراجع السياسية والقضائية المعنية بتطبيق القانون. وفي هذا السياق، زار وفد من النواب السنّة رئيس الحكومة نواف سلام، والتقى أيضاً النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، لبحث تداعيات القرار وآليات تطبيق قانون العفو العام. وفي حديث إلى «المدن»، وصف النائب أشرف ريفي الأجواء التي سادت الاجتماعين بأنها «إيجابية جداً»، مشيراً إلى أن النقاشات أفضت إلى التوجّه نحو إصدار تعميمين قضائيين لمعالجة الإشكاليات المرتبطة بتطبيق القانون. وأوضح ريفي أن التعميم الأول يتصل بالأحكام الصادرة بالإعدام، على أن تُخفّض إلى عقوبة المؤبد، بما يعني، وفق شرحه، احتساب العقوبة على أساس 17 سنة سجنية بدلاً من 28 سنة. أما التعميم الثاني، فيتعلق بجرائم المخدرات، على ألا يقتصر نطاقه على الأحكام المبرمة، بل يشمل أيضاً الملاحقات القضائية المرتبطة بهذه الجرائم. وبحسب ريفي، فإن التوجّه يقضي بإعادة صياغة التعاميم القضائية بما ينسجم مع روح القانون والغاية التي وضعها المشرّع، بعيداً مما وصفه بـ«البدع» التي اعتمدها المجلس الدستوري. ويضع هذا المسار مسألة تطبيق القانون في واجهة المرحلة المقبلة، بانتظار صدور التعميمين وتبيان الصيغة النهائية التي سيعتمدانها. وفي البعد السياسي، أشار ريفي إلى أن مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، ساهمت في تخفيف حدّة الاحتقان السنّي الشيعي الذي سبق للنواب أن حذّروا من تداعياته. ويعكس ذلك، وفق مقاربة النواب، أهمية معالجة الملف من خلال المؤسسات الدستورية والقضائية، تفادياً لتحوّله إلى نقطة توتر سياسي ومذهبي جديدة. وفي تصريحات خاصة بـ«المدن»، تناولت القوى النيابية المشاركة خلفيات التحرّك وأهدافه. إذ يرى النائب أحمد الخير أن قرار المجلس الدستوري ينطوي على خلل جوهري يستوجب المعالجة، لكونه، بحسب قراءته، حرم الموقوفين الإسلاميين من الإنصاف الذي قصده القانون الأصلي. ويشكّل هذا الاعتراض محوراً أساسياً في الاتصالات التي يجريها النواب مع المراجع السياسية والقضائية. من جانبه، أشار النائب بلال الحشيمي لـ«المدن» إلى أن النقاشات النيابية تركّزت على محورين رئيسيين: الأول يرتبط بحدود صلاحيات المجلس الدستوري ومدى مشروعية تدخّله في تفسير النص التشريعي، والثاني بالآلية الكفيلة بصون إرادة المشرّع وضمان تطبيق القانون وفق الغاية التي أُقرّ من أجلها. ولفت إلى أن القوى المعنية تتابع نتائج اتصالاتها لتحديد خيارات المرحلة التالية. ولم يخلُ الاجتماع من البعد الحقوقي والسياسي الأوسع. فقد وضعت النائبة بولا يعقوبيان مشاركتها في إطار الواجب النيابي والحقوقي الجامع، رافضةً حصر قضايا حقوق الإنسان في زاوية طائفية أو مذهبية ضيقة، وداعيةً البرلمان بكل مكوّناته إلى تحمّل مسؤولياته في هذا الملف، بدلاً من اقتصار التحرك على ممثلي الطائفة السنّية. في المقابل، أعاد النائب أشرف ريفي التأكيد، عبر «المدن»، على ضرورة معالجة ملف العفو العام انطلاقاً من مبدأ رفع المظلومية عن الفئات التي وُضع القانون لأجلها أساساً، محذراً من الالتفاف على هذا الاستحقاق تحت ذرائع مختلفة. كما شدّد على أن استحضار المخاوف الأمنية كلما عاد الملف إلى الواجهة لا ينبغي أن يحول دون البحث الجدي في حقوق الموقوفين والمحكومين المشمولين بالقانون. وبحسب ريفي، فإن الحفاظ على التوازن داخل مؤسسات الدولة يقتضي مقاربة الملف بعيداً من الحسابات السياسية، بما يضمن معالجة الاعتراضات القائمة وعدم استمرار الشعور بالغبن لدى الفئات المعنية، من دون تجاهل مقتضيات العدالة والأمن. سابقة خطيرة ومسار لتطويق التداعيات عقب الاجتماع، بدا واضحاً أن النواب يعتبرون أنفسهم أمام إشكالية قانونية وسياسية تتجاوز حدود تفسير مواد محددة في قانون العفو العام. وفي هذا الصدد، أشار النائب بلال عبدالله إلى أن الرهان النيابي كان يتج