بين اندفاعة رجال الأعمال اللبنانيين نحو السوق السورية الجديدة، واحتمالات انتقال الرساميل والعمالة في الاتجاهين، تبرز أسئلة تتجاوز الفرص التجارية إلى مستقبل التوازن الاقتصادي بين بلدين تجمعهما الجغرافيا وتفرّقهما الأزمات. إذ لم تعد الحركة الاقتصادية اللبنانية باتجاه سوريا مجرّد مبادرات فردية يقوم بها رجال أعمال يبحثون عن أسواق جديدة. فالمؤتمرات الاستثمارية المشتركة، وإعادة تنشيط مجالس الأعمال، وتبادل الوفود الاقتصادية، تشير إلى تحوّل أوسع في نظرة القطاع الخاص اللبناني إلى الجار السوري، بعد التغيير السياسي الذي شهدته دمشق. وقد شكّل المنتدى اللبناني السوري للاستثمار، المنعقد في بيروت في 23 أيلول الفائت برعاية رئيس الجمهورية جوزاف عون، محطة بارزة في هذا المسار، بعدما سبقه مؤتمر اقتصادي في حزيران وزيارات لوفود اقتصادية لبنانية إلى دمشق في تموز. وأعلنت وزارة الاقتصاد اللبنانية إطلاق مجلس الأعمال اللبناني السوري والعمل على مراجعة أكثر من أربعين اتفاقاً وبروتوكولاً بين البلدين. لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس لماذا يتجه اللبنانيون نحو سوريا، بل ما إذا كان لبنان يمتلك القدرة المالية والمؤسساتية للاستفادة من إعادة بناء الاقتصاد السوري، أم أنه سيكتفي بدور الوسيط التجاري، بينما تستحوذ الرساميل الإقليمية والدولية على الاستثمارات الكبرى. لماذا هذه الاندفاعة اللبنانية؟ يمكن تفسير الظاهرة من خلال ثلاثة عوامل متداخلة. أولها، الفرصة السورية الناشئة. فبعد سنوات الحرب والعزلة الاقتصادية، تحتاج سوريا إلى إعادة تأهيل بنيتها التحتية ومؤسساتها الإنتاجية وأسواقها الاستهلاكية. وقد قدّر البنك الدولي، في تشرين الأول 2025، كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 ملياراً. وهو رقم يكشف حجم الاحتياجات، وإن كان لا يمثل بالضرورة استثمارات جاهزة أو مشاريع قابلة للتنفيذ فوراً. ثانيها، الأزمة اللبنانية المستمرة منذ عام 2019، والتي دفعت المؤسسات ورجال الأعمال إلى البحث عن فرص خارج السوق المحلية. فلبنان يعاني اختناقاً ائتمانياً وضعفاً في البنية التحتية، بينما تبدو سوريا، رغم مخاطرها، سوقاً واسعة تحتاج إلى الخدمات والمنتجات والخبرات. أما العامل الثالث، فهو المعرفة المتبادلة. فرجال الأعمال اللبنانيون ليسوا غرباء عن السوق السورية، كما أن شبكات التجارة والمصاهرة والشراكات العابرة للحدود تمنحهم أفضلية نسبية في فهم البيئة المحلية، قياساً بمستثمرين يدخلونها للمرة الأولى. لكن هذه الأفضلية قد تتراجع سريعاً إذا لم تتحول العلاقات الشخصية إلى ضمانات قانونية ومؤسساتية. كم يستطيع اللبنانيون استثمارَه في سوريا؟ هنا ينبغي التمييز بين حجم الأموال التي تحتاج إليها سوريا، وحجم الرساميل التي يستطيع لبنان تعبئتها فعلياً. فلا تتوافر حتى الآن إحصاءات رسمية موثوقة تسمح بتحديد قيمة الاستثمارات اللبنانية الجديدة المنفذة في سوريا، أو حجم الالتزامات الاستثمارية الملزمة الناتجة عن المؤتمرات الأخيرة. ومع ذلك، يمكن وضع تقديرات افتراضية أولية، لا باعتبارها توقعات رسمية، بل كسيناريوهات اقتصادية قابلة للاختبار. حيث ان سيناريوهات تقديرية للاستثمارات اللبنانية الجديدة في سوريا خلال خمس سنوات يمكن تقديرها بين 100 الى 300 مليون دولار كسيناريو متحفظ جداً. وما بين 300 الى 750 مليون دولار كسيناريو متوسط التفاؤل. وما بين 750 مليوناً ومليار ونصف المليار كسيناريو متفائل. وهي تقديرات تحليلية تفترض تحسناً متفاوتاً في الاستقرار والتمويل والضمانات القانونية، وتشمل الرساميل المباشرة والشراكات الجديدة دون احتساب الصادرات التجارية. ويرجّح أن تتركز الاستثمارات اللبنانية في قطاعات البناء ومواد الإعمار، والصناعات الغذائية، والخدمات الصحية والتعليمية، والنقل والتخزين، والسياحة والخدمات المهنية. غير أن قدرة المستثمر اللبناني على المنافسة لن تُقاس بحجم رأسماله وحده، بل بقدرته على إقامة تحالفات مع مستثمرين سوريين وعرب، والاستفادة من خبرته في الإدارة والخدمات. ولذلك، قد تكون حصة اللبنانيين من عقود إعادة الإعمار والخدمات المرتبطة بها أكبر من حجم استثماراتهم المباشرة. هل تنتقل الرساميل من لبنان إلى سوريا؟ قد يشكل الاستثمار اللبناني في سوريا فرصة لتوسيع نشاط المؤسسات اللبنانية وزيادة أرباحها، لكنه قد يتحول أيضاً إلى استنزاف إضافي للموارد المحلية إذا انتقلت الشركات والرساميل بصورة دائمة، بدلاً من التوسع انطلاقاً من لبنان. وتتوقف النتيجة على طبيعة الاستثمار، فهل ستبقى بيروت مركز الإدارة والتمويل والخدمات، أم ستنتقل الوظائف والعمليات إلى دمشق وحلب؟ والمفارقة أن لبنان نفسه يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصاده. فقد قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي