سقط الطفل محمد مهدي صالح من لعبة "الدودة" في "فانتزي لاند" يوم السبت في حادث مأساوي، وفَقَدَ حياته. حادثة كان يُفترض أن تفتح سلسلة من الأسئلة حول ما جرى، وإجراءات السلامة، وظروف تشغيل اللعبة، والمسؤولية عن الحادث. لكن في تغطية قناة "الجديد"، سرعان ما انتقل النقاش إلى سؤال آخر: ماذا فعل الطفل؟ بدا أن "الجديد" استعجلت استلحاق الخبر، قبل وضع توجيهات مهنية بعهدة المراسل الذي أرسلته الى التغطية. قال المراسل آدم البرازي خلال التغطية: "الطفل تعمّد الوقوف"، فيما قال مدير "فانتزي لاند" إن اللعبة كانت تعمل، وإن الطفل كان يجلس في المقعد الأخير وسقط خلال حركة الالتفاف السريعة، معتبراً أن الطفل خالف التعليمات، وأن المشرفة من المدرسة لم تكن تنتبه إليه، قبل أن يضيف: "هذا الموضوع لا يتحتم علينا". هكذا، وبسرعة، أصبحت الرواية تدور حول طفل خالف التعليمات ومشرفة لم تنتبه، فيما تراجعت أسئلة أساسية يُفترض أن تتقدّم في حادثة انتهت بوفاة طفل من السؤال عن وسائل الحماية؟ هل كانت كافية؟ وهل يُفترض أصلاً أن يتمكن طفل من الوقوف أثناء تشغيلها؟ ولو وُجد حزام أمان أو حاجز أمامي يحول دون خروجه من المقعد، ألم يكن من الممكن تفادي سقوطه؟ وأكثر من ذلك، ما هي الاجراءات الرسمية؟ ومن هي الجهة التي تحقق؟ وكيف تحقق؟ فضلاً عن سؤال عن غياب الطرف الآخر، عائلة الطفل. رواية واحدة و"الصورة باتت واضحة" سارعت "الجديد" إلى مواكبة الحادثة والتحدث مع إدارة "فانتزي لاند"، وهذا بحد ذاته جزء طبيعي من العمل الصحافي، فالإدارة طرف أساسي في القضية ومن الضروري الاستماع إلى روايتها. عملياً، اقتصرت التغطية على جهة واحدة، برأت نفسها من المسؤولية، وحملتها بالكامل إلى الضحية! لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول رواية أحد أطراف القضية، من مادة يجب مساءلتها والتحقق منها، إلى تفسير شبه نهائي لما حصل. خلال التغطية، قُدمت اللعبة على أنها صالحة للعمل. في المقابل، انتشر تسجيل مصوّر يُسمع خلاله أطفال يتساءلون عن إصلاح اللعبة بعدما كانت معطّلة. هذا التسجيل لا يثبت وحده وجود عطل تسبّب بالحادثة، لكنه يفتح باباً لأسئلة كان يستحق التحقق منها، هل كانت اللعبة معطّلة فعلاً؟ وما طبيعة العطل؟ ومتى أعيد تشغيلها؟ وهل خضعت للفحص قبل إعادة استخدامها؟ أما مدير "فانتزي لاند"، فأكد وجود إجراءات للسلامة، وتحدث عن إمكانية استخدام المكابح عند وقوع مشكلة، كما أشار إلى تعليمات تقضي بعدم الوقوف أو استخدام الهواتف أثناء تشغيل اللعبة. لكن إذا كانت اللعبة مخصصة للأطفال، فهل يُفترض أن تعتمد سلامتهم على التزامهم بعدم الوقوف فقط؟ وماذا يحدث إذا خالف طفل التعليمات، كما يمكن لأي طفل أن يفعل؟ أليست إجراءات السلامة موجودة أساساً لمنع تحول حركة خاطئة أو مخالفة للتعليمات إلى حادث قاتل؟ الإشكالية الأبرز ظهرت عندما قال برازي إن الطفل "تعمّد الوقوف". فالعبارة لا تكتفي بوصف حركة يُقال إن الطفل قام بها، بل تنسب إليه قصداً، في حين ما زالت ملابسات الحادث موضع تحقيق. على الفور، تنبّه المذيع في الاستديو غدي بو موسى إلى هذا الجزم غير المنطقي في التغطية، فحاول إعادة النقاش إلى إجراءات السلامة، متسائلاً عن الحاجز المعدني المرتفع الموجود عادةً في بعض الألعاب، وغير الموجود في هذه اللعبة. لكن النقاش عاد إلى توضيحات الإدارة وتعليماتها، لينهي البرازي النقل بالقول إن "الصورة باتت واضحة". فما الذي أصبح واضحاً بالتحديد؟ وهل تكفي رواية المدير للوصول إلى خلاصة بشأن حادثة انتهت بوفاة طفل؟ وماذا عن التحقيق الرسمي والنتائج التي ستحدد أسباب الحادث والمسؤوليات المترتبة عليه؟ والصحافي بطبيعة الحال، ليس قاضياً. مهمته ليست تحديد المسؤول قبل انتهاء التحقيق، لا بإدانة إدارة مدينة الملاهي ولا بتبرئتها، وبالتأكيد ليس بإلقاء المسؤولية على طفل توفي ولم يعد قادراً على تقديم روايته. هنا تتجاوز القضية حادثة "فانتزي لاند" إلى مشكلة أعمق تتعلق بطريقة التغطية الإعلامية لقضايا الأطفال. ففي هذه التغطية، انتقل التركيز من الطفل بوصفه ضحية حادثة تستوجب البحث في ملابساتها، إلى سلوكه وما إذا كان قد وقف أو خالف التعليمات، وكأن الإجابة عن ذلك كافية لتفسير ما حدث. علماً أن هناك منظمات كثيرة قد وضعت أسس التغطية الصحافية المتعلقة بالأطفال. وتشير مدونة منظمة "اليونيسف"، الى "مبادئ توجيهية بشأن التغطية الإعلامية الأخلاقية للأطفال"، ضرورة إيلاء المصلحة الفضلى لكل طفل الأولوية على أي اعتبار آخر، كما تشدد على احترام حقوق الأطفال وكرامتهم ومراعاة أعمارهم ومستوى نضجهم. وحماية الطفل إعلامياً لا تقتصر على إخفاء اسمه أو صورته عند الضرورة، بل تشمل أيضاً طريقة تقديم قصته، واللغة المستخدمة في الحديث عنه، وتجنّب إصدار أحكام متسرعة أو تحميله مسؤولية في قضية لا تزال الجهات المختصة تحقق في ملا