تتداخل الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي تليها الانتخابات التشريعية، مع الاضطرابات الخطرة التي شهدتها فرنسا في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وثمة من يعتقد أنّ الطموحات الرئاسية، من جهة، والاستغلال السياسي، من جهة أخرى، أتاحا لمن سمّاهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «اليساريين الراديكاليين والمجرمين» استغلال المطالب الاجتماعية من أجل «إذلال الجمهورية»! وفي هذه الأجواء، اقتحمت نظرية المؤامرة المشهد الفرنسي الذي ضجّ به العالم، ودخل على خطّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي. دي. فانس، المعروفان بعدائهما الصريح للمهاجرين والإسلاميين. وتقوم نظرية المؤامرة التي بدأ اليساريون الراديكاليون، بقيادة رئيس حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون، المرشح إلى الانتخابات الرئاسية، الترويج لها، على أنّ السلطات الأمنية أخفقت في امتحان ضبط المتظاهرين واحتوائهم، وفق ما أقرّ به وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز الذي رفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالته. وقد أتاح هذا الإخفاق، وفق هذه النظرية، المجال أمام مجموعات تخريبية للتحرك حيثما تشاء، بهدف إسقاط الحركة المطلبية المتصاعدة، من خلال تأليب الرأي العام عليها، وتوفير الذرائع للسلطات السياسية والإدارة لتقييد التظاهرات في البلاد، وإثارة العواطف ضد ميلانشون، بما يؤدي إلى إبعاده عن الدورة الثانية والحاسمة من الانتخابات الرئاسية المقررة في أيار/مايو المقبل. في واقع الحال، تحاكي نظرية المؤامرة التداعيات الأولية التي خلّفها التخريب الواسع في نفوس الفرنسيين، إذ يبدو أنّ الاستياء من ميلانشون يتزايد، فيما يحمّله كثيرون مسؤولية احتضان الحركة الاعتراضية التي اتخذت منحى عنيفاً، بفعل اندساس مخربين في الحركة الطالبية، قبل أن تتسع رقعتها وتتحول، يوم السبت، إلى مشهد فوضوي واسع النطاق. صحيح أنّ ما حصل يعزّز موقع المرشحة مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني»، المعروفة بمواقفها المتشددة من المهاجرين والإسلاميين، وبمطالبتها بتشديد الإجراءات الأمنية. لكنّ الأصحّ أنّ لوبان تتصدر استطلاعات الرأي في مختلف السيناريوهات الانتخابية، وأنّ مشكلتها الأساسية لا تكمن في بلوغ الدورة الثانية، بل في هوية المرشح الذي سيواجهها فيها.