القلق الذي أبدته قيادة إقليم كردستان العراق إزاء الانسحاب الأميركي يستحق التأمل. فهو يكشف أن العلاقة بين مكونات الدولة العراقية لا تزال تحتاج إلى ضمانة تأتي من خارج الحدود. أفهم أسباب هذا القلق، في ضوء تاريخ طويل من القمع والوعود المنقوضة. لكن السؤال الذي أراه أهم هو: لماذا يعجز الوطن عن طمأنة بعض أبنائه، فيبحثون عن الأمان لدى قوة بعيدة، تتغير أولوياتها بتغير مصالحها؟ ذاك يحدث في لبنان والعراق واليمن، و عدد من دولنا، بحث أحد المكونات الوطنية عن أمان عن طريق التحالف مع قوى خارج الوطن. بالنسبة لي تلك إشارة إلى عدم نضج الدولة الوطنية، وهذا محور يجب أن نعمل من أجل الوعي به. حقق أكراد العراق تجربة الحكم الذاتي الأرسخ بين التجارب الكردية المعاصرة، ثم أقرّ دستور عام 2005 إقليم كردستان وسلطاته القائمة. والدقة تقتضي القول إنهم لم يحصلوا على دولة مستقلة. صار لهم برلمان وحكومة ومؤسسات، ضمن العراق. كانت تلك مكاسب كبيرة لشعب عرف المآسي، ومنها مذبحتا الأنفال وحلبجة. غير أن الانتقال من هذه المكاسب إلى الاستقلال الكامل اصطدم بحسابات الجغرافيا والاقتصاد ومواقف الجيران والقوى الكبرى. في أيلول/سبتمبر 2017، صوّت أكثر من اثنين وتسعين في المئة من المشاركين في استفتاء الإقليم لمصلحة الاستقلال. كانت الغالبية كاسحة، لكن الدولة المنشودة لم تولد. رفضت بغداد الاستفتاء، وعارضته دول الجوار، ولم تمنحه واشنطن التأييد الذي راهن عليه أصحابه. ثم فقد الإقليم السيطرة على كركوك ومناطق متنازع عليها. هنا درس يستحق القراءة: التعبئة الشعبية تستطيع إنتاج نتيجة انتخابية، لكنها لا تلغي موازين القوة ولا تصنع وحدها شروط الدولة. وفي سوريا، أقامت قوى كردية إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع خلال الحرب، لكنها لم تتحول إلى دولة مستقلة معترف بها. وفي تركيا، خاض حزب العمال الكردستاني صراعاً مسلحاً طويلاً، من دون تحقيق الاستقلال. ولا يصح اختزال أكراد تركيا بذلك الحزب، بينهم من اختار العمل السياسي والانتخابات. كما تختلف أهداف الحركات الكردية نفسها بين الحقوق الثقافية واللامركزية والحكم الذاتي والانفصال. تجاهل هذه الفوارق يفسد التشخيص، ويحول جماعات بشرية متنوعة إلى صورة واحدة. المسألة أوسع من الأكراد؛ فالشرق الأوسط مزدحم بهويات قومية ودينية ومذهبية، عاش بعضها مظالم حقيقية، وتحولت ذاكرة الألم لدى بعضها إلى مشروع سياسي دائم. تستثمر قياداته في الخوف، وتقدم الانفصال وصفة جاهزة للخلاص. ثم تدخل قوة إقليمية أو دولية، فتمنح السلاح والوعود، وتستخدم القضية في مساوماتها. أعتقد أن أخطر الأوهام هو تصور أن الراعي الخارجي يتبنى أحلام الجماعة كما يتبناها أبناؤها. لديه حساباته، وقد يغادر وتبقى هي أمام جيرانها. ولا يعني ذلك مطالبة المظلوم بالصمت، أو منح الحكومات المركزية صك براءة. فالسلطة التي تمنع لغة مواطنيها، أو تميز بينهم في الوظيفة والقضاء، أو تقصف مدنهم، تدفعهم إلى البحث عن مخارج. ومن السهل أن يرفع الحاكم شعار الوحدة، ثم يدير الدولة باعتبارها ملكاً لجماعته. لذلك يبدأ الدفاع الجاد عن وحدة الأوطان بإصلاح السلطة وضمان الحقوق. المواطنة التزام على الدولة أولاً، قبل أن تكون مطلباً توجهه إلى الناس. تقدم سويسرا مثالاً مفيداً. أربع لغات وطنية، وتقاليد دينية وثقافية مختلفة، اجتمعت داخل دولة اتحادية. لم يكن شرط الانتماء أن يتخلى الناطق بالفرنسية عن لغته، أو أن يتشبه بالإقليم الناطق بالألمانية. ساعد توزيع الصلاحيات والاعتراف بالتنوع والمشاركة السياسية على بناء مصلحة مشتركة في البقاء. التجربة ليست وصفة تنقل بحذافيرها، لكنها تبين أن احترام الخصوصيات يمكن أن يقوي الدولة، وأن المركزية الصارمة ليست المرادف الوحيد للوحدة الوطنية. وفي كندا، رفض ناخبو كيبيك مشروع السيادة في استفتاء عام 1995 بغالبية ضئيلة بلغت 50,58 في المئة. بقي الخلاف السياسي، واستمر أنصار الانفصال في التعبير عن موقفهم، من دون أن تتحول المقاطعة إلى ساحة حرب أهلية. أهمية المثال عندي في وجود مؤسسات تسمح بالخلاف وتنظمه. المواطن الذي يستطيع الاعتراض والاحتكام إلى القانون يملك أدوات تتجاوز الاحتماء بالعصبية. الدولة الواثقة من عدلها لا تعتبر كل مطالبة بالخصوصية إعلان عداوة. أما جنوب السودان، فحقق استقلاله عام 2011، ثم اندلعت فيه الحرب الأهلية عام 2013. لم يؤد رفع العلم الجديد إلى إنهاء الصراع على السلطة، وانتقلت الانقسامات إلى داخل الدولة الوليدة. لا يلغي ذلك مظالم الجنوبيين السابقة، لكنه يضع أمامنا حقيقة مؤلمة: قد تنجح جماعة في الانفصال، وتفشل نخبتها في بناء دولة. ومن ثم فالسؤال العملي يتجاوز رسم الحدود إلى كيفية إدارة الحكم، ومحاسبة المسؤولين، وحماية المختلفين داخل الحدود الجديدة. النضال الذي يستحق الجهد في منطقتنا هو بناء دولة مدنية حديثة وعاد