أثار التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري في قراره الأخير المتعلق بقانون العفو العام إشكالية قانونية جدية، وتحديدًا لجهة مفهوم التكرار الوارد في البند الخامس من المادة الثانية من القانون رقم 70/2026، الذي استثنى من الاستفادة من العفو "مرتكبي جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية". فاعتبر المجلس الدستوري، أنه لا وجود لجناية مستقلة تسمى "جناية تكرار المخدرات"، وأن التكرار يجب أن يُفهم وفقًا للمفهوم القانوني المنصوص عليه في قانون العقوبات، الذي يشترط لقيامه صدور حكم قضائي سابق مبرم، ولا تكفي مجرد الملاحقة القضائية لإثباته. ولكن، هل أصاب المجلس الدستوري في هذا التفسير، أم أنه أسقط على قانون العفو مفهومًا قانونيًا لم يقصده المشرع؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى الصياغة التي اعتمدها المشرع في قانون العفو نفسه، والبحث عن الغاية التي توخاها من استثناء بعض جنايات المخدرات من أحكامه. فالمشكلة الأساسية في التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، تكمن في أنه أخذ عبارة "التكرار" الواردة في البند الخامس من المادة الثانية، وأخضعها مباشرةً للمفهوم القانوني للتكرار المنصوص عليه في قانون العقوبات، باعتباره سببًا مشددًا للعقوبة، من دون أن يبحث بدايةً عما إذا كان المشرع قد قصد فعلا هذا المفهوم عند وضع قانون العفو. والواقع أن قراءة أحكام القانون نفسه تكشف عن معطيات واضحة تقود إلى نتيجة مغايرة تمامًا. أولا، إن المشرع اتجه في قانون العفو إلى استثناء الأشخاص الذين احترفوا الاتجار بالمخدرات، وذاع صيتهم في هذا المجال، وأصبح لهم باع طويل فيه، نتيجة انخراطهم المتكرر والمستمر في هذا النوع من النشاط الجرمي، وحصر الاستفادة من العفو بفئة محددة من المرتكبين الأقل خطورة والأقل انخراطًا في عالم الجريمة. ولهذه الغاية، اعتمد المشرع عدد الملاحقات القضائية معيارًا للتمييز بين الفئتين، باعتباره مؤشرًا جديًا على مدى انخراط الشخص المعني في عالم المخدرات، من دون اشتراط صدور أحكام قضائية مبرمة بشأن تلك الملاحقات. وهذا التوجه ليس غريبًا عن المنطق القضائي أو عن العمل القضائي المستقر، إذ إن القضاء نفسه يميّز بين الأسبقيات الجرمية والأحكام القضائية المبرمة، ويعتدّ بكل منهما لغاية مختلفة. فهو قد يأخذ في الاعتبار تعدد الملاحقات والأسبقيات الجرمية عند اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالشخص الملاحق، ومنها تقدير مدى توافر مبررات التوقيف الاحتياطي، في حين يشترط صدور أحكام قضائية مبرمة، وتوافر سائر الشروط القانونية، لتطبيق أحكام التكرار المنصوص عليها في قانون العقوبات بوصفه سببًا مشددًا للعقوبة. ومن هنا، فإن اعتماد المشرع تكرار الملاحقات معيارًا للاستثناء من العفو، لا يشكّل خروجًا عن المفاهيم المعروفة في العمل القضائي، بل ينسجم مع التمييز القائم بين الأسبقيات الجرمية، بوصفها معطى قد يؤخذ في الاعتبار لغايات قانونية محددة، والتكرار بالمعنى المنصوص عليه في قانون العقوبات، بوصفه سببًا لتشديد العقوبة. أما التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، فمن شأنه توسيع نطاق الاستفادة من العفو ليشمل أشخاصًا تعددت الملاحقات القضائية بحقهم في جنايات المخدرات، وربما بلغ عددها المئات، لمجرد عدم صدور أحكام قضائية مبرمة تتوافر معها شروط التكرار المنصوص عليها في قانون العقوبات، وهو ما يؤدي إلى إخراج الفئة التي أراد المشرع استثناءها من نطاق الاستثناء نفسه، وإلى إفراغ هذا الاستثناء من جانب أساسي من الغاية التي شُرّع من أجلها. وهذه النتيجة تثير تساؤلا جديًّا حول مدى انسجام التفسير المذكور مع إرادة المشرع والغاية التي توخاها من وضع الاستثناء. ثانيًا، وهو الأهم، أن المشرع نص صراحةً في البند الخامس على استثناء جنايات التكرار بالمخدرات "سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية". وهذه العبارة تحمل دلالة قانونية لا يجوز إغفالها عند تفسير النص. فلو كان المشرع يقصد التكرار بمفهومه المنصوص عليه في قانون العقوبات، الذي يشترط صدور حكم قضائي سابق مبرم، فما الحاجة إلى النص صراحةً على شمول الاستثناء جرائم لم تصدر بها أحكام قضائية؟ ألا تصبح هذه العبارة، في ضوء التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، لزوم ما لا يلزم، أو على الأقل عبارة يُفرغ التفسير جزءًا أساسيًا من مضمونها؟ إن الأصل في تفسير النصوص القانونية هو إعطاء كل عبارة وردت فيها معناها وأثرها، لا اعتماد تفسير يؤدي إلى تجريد بعض عباراتها من قيمتها القانونية. ومن هنا، فإن النص صراحةً على عدم اشتراط صدور أحكام قضائية يشكل دليلا واضحًا على أن المشرع لم يقصد حصر التكرار بمفهومه الوارد في قانون العقوبات، وإنما قصد تعدد الجرائم موضوع الملاحقات القضائية، بصرف النظر عن صدور أحكام