فرنسا لا «تتلبنن»... ولبنان ليس تهمة! 20 تشرين الأول 2026 · 12:58 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط منذ أيام، تتردد على مواقع التواصل الاجتماعي عبارة بات البعض يستخدمها كلما شهدت فرنسا اضطرابات أو أعمال شغب: «فرنسا تتلبنن»! ولكن، منذ متى أصبح اسم لبنان مرادفاً للفوضى، وأصبحت أزمات الشعوب مقياساً للاستخفاف بكرامتها؟ إن ما تشهده فرنسا من توترات اجتماعية ومواجهات ترافق بعض التظاهرات لا يبرر إطلاق أحكام تختزل تاريخ أمة عظيمة، ولا يسمح بتحويل لبنان إلى نموذج سلبي يُستحضر كلما واجه بلد آخر أزمة. فرنسا ليست مجرد أحداث شغب تتصدّر شاشات التلفزة. إنها دولة ذات تاريخ عريق، ومؤسسات راسخة، وتقاليد ديمقراطية ناضلت أجيال من أجل ترسيخها. وحق التظاهر فيها ليس دليلاً على ضعف الدولة، بل تعبير عن حيوية مجتمع يملك حرية الاعتراض والمطالبة بالتغيير. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمّل: في وقت لا تزال فيه شعوب عديدة محرومة من حرية التعبير والتظاهر، يعتبر البعض أن مشاهد الاحتجاج في فرنسا دليل على انهيار نظامها! بالطبع لا. ثمة فرق جوهري بين مواطن يمارس حقه المشروع في التظاهر، وبين من يستغل التظاهرات للاعتداء على الناس والممتلكات، وتحطيم واجهات المحال التجارية ونهب محتوياتها. هؤلاء لا يمثلون المتظاهرين، ولا الشعب الفرنسي، ولا المبادئ التي قامت عليها الجمهورية. إن إدانة العنف واجب، وحماية الممتلكات والأشخاص مسؤولية الدولة، لكن الخلط بين المحتجين السلميين ومثيري الشغب ظلم للديمقراطية نفسها. ولا يجوز أن تتحوّل تجاوزات أقلية إلى ذريعة لتجريم حق الأغلبية في التعبير عن رأيها. فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع الاعتراض، بل التي تحميه وتمنع تحويله إلى فوضى، وتطبق القانون على الجميع. أما الصراعات السياسية ومحاولات استثمار الغضب الشعبي لإضعاف السلطة، فهي جزء من واقع تعرفه الديمقراطيات. غير أن التنافس على الحكم، مهما اشتد، لا ينبغي أن يتحوّل إلى تهديد للمؤسسات أو استخفاف باستقرار البلاد. لبنان الذي يُستحضر اسمه اليوم على سبيل السخرية أو المقارنة السلبية، ليس مجرد أزمة مالية أو فراغ سياسي أو مؤسسات متعثرة. إنه وطن يحمل إرثاً ثقافياً وحضارياً وإنسانياً كبيراً. وطن عرف الحروب والانقسامات والانهيارات، لكنه عرف أيضاً التضامن والانفتاح والتعايش والإبداع، وقدّم إلى العالم أبناءً ساهموا في نهضة مجتمعات واقتصادات وثقافات عديدة. ورغم الفقر الذي أصاب شرائح واسعة من شعبه، لا يجوز اختزال اللبنانيين في مآسيهم، ولا تجاهل ما لا يزال قائماً بينهم من قيم الاحترام والتكافل والكرامة. نعم، في لبنان إخفاقات جسيمة، ومسؤوليات سياسية واقتصادية لم تُحسم بعد، ومؤسسات تحتاج إلى إصلاح عميق. ولا نخدم وطننا إذا أنكرنا هذه الحقائق. لكن الاعتراف بأزمات لبنان لا يعني القبول بتحويل اسمه إلى وصف مهين يُلصق بكل بلد يواجه اضطراباً. وكذلك فإن احترام فرنسا لا يقتضي إنكار ما تواجهه من صعوبات اجتماعية وسياسية. فالديمقراطية لا تعني غياب الأزمات، بل امتلاك الوسائل والمؤسسات لمعالجتها من دون التضحية بالحريات. فرنسا ولبنان بلدان مختلفان في التاريخ والحجم والنظام السياسي والواقع الاقتصادي، لكنهما يتشاركان روابط ثقافية وإنسانية عميقة، وقِيَماً تستحق الحماية والاحترام. ليس من الإنصاف أن نرفع من شأن فرنسا على حساب لبنان، ولا أن ندافع عن لبنان بالتقليل من شأن فرنسا. والأخطر من أعمال الشغب نفسها أن نعتاد إصدار الأحكام على الشعوب من خلال أسوأ الصور التي تنقلها الشاشات، وأن نستبدل التفكير والتحليل بشعارات سهلة التداول، لكنها فقيرة في المعنى. إن فرنسا، بتاريخها ومؤسساتها وشعبها، أكبر من أن تختزلها أعمال عنف ترتكبها أقلية. ولبنان، رغم أزماته وآلام شعبه، أكبر من أن يتحوّل اسمه إلى مرادف للفشل. فلنكفّ عن القول إن فرنسا «تتلبنن»، ولنطرح السؤال الأجدر: كيف نحمي حرية الشعوب وكرامتها، ونحاسب من يسيء إلى القانون، من دون أن نظلم أمة أو نهين وطناً؟ فالأوطان لا تُقاس بلحظات ضعفها وحدها، بل بتاريخها وقيمها وقدرة شعوبها على النهوض. فرنسا ليست الفوضى التي نشاهدها، ولبنان ليس الفشل الذي يتحدثون عنه. واحترام فرنسا لا يكتمل بإهانة لبنان، كما أن الدفاع عن لبنان لا يحتاج إلى الانتقاص من فرنسا.