ما الذي يُجبر شخصًا مدعوًا لكتابة قراءة أو مراجعة كتاب، على وضع مكونات مقاله في خلَّاط الذكاء الاصطناعي؟ ما الذي يضطره إلى ذلك؟ هل يعاني مثل بعضنا من آلام الرقبة وتشنج الكتفين، أو من ململة تسري في الأصابع كلما ضغط على أزرار "الكيبورد"؟ هل أصيب بتشتت مفرط مثل معظمنا، ولم يجد سبيلاً لتنظيم أفكاره سوى رميها متناثرة كما هي داخل "البرومبت"- نافذة الأوامر، لتخرج بعد نقرة واحدة، قطعة جاهزة، فيتسلمها على البارد المستريح؟ ربما لجأ إلى الخلَّاط "الذكي" بحكم العادة، بعد تحول الأخير وسيلة خلاصِه من ثقل كتابة رسائل التقديم في طلبات الوظائف التي تحولت مسببًا لنوبة هلع تصيبه، ملحوقة بإحباط شديد كلما وجدها مطلبا رئيسيًا إلى جانب السيرة الذاتية. ربما لا شيء من ذلك في باقة دوافعه. لا شيء منه إطلاقًا سوى أنه محب للتجريب والاختبار، ومؤمن بأن هذا التفاعل مع الذكاء الاصطناعي سيتطور إيجابًا مع بعض الترشيد والاستخدام المسؤول. ربما، يدرك حتمية نجاح الذكاء الاصطناعي في رفع حمل ثقيل عن كاهلنا، لنصبح كائنات عاقلة سامية بالفعل عن بقية المخلوقات، لا شأن لنا ولا مهمة سوى التفكير، من دون أن يكون لأجسادنا وامتداداتها في الأحياز المادية والملموسة أي دور في تحقيق وجودنا، أو أثر في إنتاجنا. جميل. كل هذا جميل. لكن ما المانع والحائل بشكل قاهر، دون مراجعة بسيطة، أو لمسات على سطح النص لتعديل الأساسيات على الأقل! أما كان لهذا المُجبَر على الكتابة أن يضيف إلى المكونات المرمية في الخلاط التفاتةً إلى أهمية عدم المس بالاقتباسات حيث يلزم استخدامها؟ وإذا كان ما زال عصيًا على الذكاء الاصطناعي الالتزام بأمانة الاقتباس (حسب النسخة المستخدمة وما إذا كانت مدفوعة أو مجانية)، ألم يكن حريٌّ بالكاتب المجبَر أن يغدق على القارئ كرمًا يقتضي بالحد الأدنى مراجعة النص والاقتباسات قبل نقر "نسخ ولصق" وفورية النشر؟ مواقع إعلامية ومنصات عديدة عربية سارعت إلى إدخال الذكاء الاصطناعي بأشكال مختلفة، سواء في عملية الإنتاج أو التوزيع والنشر، أو من خلال إدارة التفاعل مع القارئ/المستخدم. قلة قليلة منها، وهي التي تنهل من تفاعلها مع جهات دولية داعمة ومعنية بتطوير الإعلام، حاولت وضع لائحة بأسس ومبادئ الاستخدام المسؤول، المسموح والممنوع وما يمكن قبوله أو التساهل معه، وفق ما تراه غير ضار بالمهنية والأخلاقية الصحافية. ومع ذلك، يمكن لهذه القلة، كما غيرها، الوقوع في مطب نشر منتج بالذكاء الاصطناعي بشكل صافٍ، من دون مساءلة ولا معالجة، لا سيما عندما تنشر مقالات لمتعاونين من خارج غرف تحريرها. نعاني، كصحافيين، ومواطنين ومستخدمين، من المعلومات المغلوطة، حتى من دون القصد في التضليل أو التزييف. وكبرت مصيبتنا مع شيوع الذكاء الاصطناعي واستسهال استخدامه. وما لم تنجح عملية التدقيق قبل النشر في رد البلاء، يظل "الترقيع" أو التدقيق بعد النشر أو حذف المقال، تصحيح المعلومات، اعتذار من هنا، تصويب من هناك، ممكنًا رغم صعوبته وتأرجح جدواه في احتواء الضرر بعد وقوعه. غير أنه في حالة مقال قراءة في كتاب أو مراجعة نقدية مثلًا، تبدو "الدعسة الناقصة" فادحة وفاضحة، إلا إذا تصدى لها المحرر الأمين الذي سيتحمل عناء التدقيق في اقتباس من كتاب لم يقرأه. المحرر الأمين، هو من لديه الهِمَّة أو الوقت للتحقق أو للمراجعة مع كاتب المقال، عن كتاب على الأرجح لم يقرأه بعد ولا يعرف كاتبه. لكن هناك من يعمل بالمنطق القائل: في النهاية هو نص رُمِيَ في الفضاء الرقمي على طريقة "ملأنا صفحة وعبّينا الهوا". ومن الذي سيراجعنا لنصحح ونعتذر و"نتوب"؟ القارئ الذي لم يقرأ الكتاب بعد أم مؤلف الكتاب؟ وإن حصل أن قرأ المؤلف "المراجعة الذكية البليدة" وصُعِق من اقتباسات دفعته لمراجعة مخطوطته عند كل اقتباس، لاطمًا وجهه، فما هي الآلية التي سيلجأ إليها؟