"يمكن القول رغم كل شيء إنّ المقاربة التأسيسية المسيحية للبنان قد انتصرت"، يكتب جهاد الزين في كتابه "الأزمة المسيحية الثقافية والسياسية اللبنانية وصحوتها"، الصادر عن دار سائر المشرق. لكنّه يستدرك أنّ هذا الانتصار "ليس منجزًا بعد على المستوى السياسي، ولكنه يسود على المستوى القيمي، حتى لو بقي هذا الانتصار معزولًا عن القوى السياسية المسيحية التي ترفعه" (ص. 121). في هذا التمييز بين الانتصار القيمي والإخفاق السياسي تكمن أهمية المراجعة التي يقدّمها الزين، والتي تشكل المسؤولية التاريخية للمسيحيين تجاه لبنان: فقد اكتسب دفاعهم التاريخي عن السيادة ووحدة القرار مشروعيةً تجاوزت البيئة التي نشأت فيها، لكنّ القوى السياسية التي تبنّتها لم تنجح في تحويل هذا الرصيد إلى مشروع لبناء الدولة. لقد أدركت المقاربة المسيحية مبكرًا أنّ لبنان لا يستطيع البقاء إذا لم تكن لدولته الكلمة الأخيرة على أرضه. وتجلّى هذا الإدراك في الاعتراض على اتفاق القاهرة عام 1969، الذي شرّع العمل الفلسطيني المسلّح. لم يكن الاعتراض المسيحي يومها منفصلًا عن هواجس الجماعة وموقعها في النظام، لكنّه حمل أيضًا إدراكًا بأنّ الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تفقد قدرتها على حماية مواطنيها من حروب لم يختاروها. ثم جاءت الحرب الأهلية والهيمنة السورية لتكشفا كلفة انهيار الدولة، خصوصًا على المسيحيين الذين عرفوا الهزيمة والإقصاء وتراجع الدور. غير أنّ خروج الجيش السوري عام 2005 كشف التباسًا في أولويات قوى مسيحية أساسية. فبدل أن تتحوّل استعادة السيادة إلى فرصة لإعادة بناء المؤسسات، تقدّم السعي إلى استعادة المواقع في الحكم، واختلط الدفاع عن حقوق المسيحيين بالمطالبة بحصص الأحزاب التي تدّعي تمثيلهم. وتجلّى ذلك في تفاهم مار مخايل عام 2006، حين قبل التيار الوطني الحر بالتفاهم مع حزب الله رغم احتفاظه بقرار عسكري مستقلّ عن الدولة، في سياق سعي التيار إلى تعزيز موقعه السياسي. أمّا اتفاق معراب عام 2016، فقد جمع مصالحةً مسيحية ذات أهمية سياسية بترتيبات لتقاسم المقاعد الوزارية المسيحية والتوافق على تعيينات الفئة الأولى. ليس هذا الإخفاق مسيحيًا وحده، ولا يمكن فصل الممارسة الحزبية المسيحية عن نظام سياسي شاركت القوى الطائفية المختلفة في إضعاف مؤسساته واقتسام مواردها ومواقعها. غير أنّ مسؤولية المسيحيين تكتسب معنى تاريخيًا خاصًا. فلبنان لم يكن في المقاربة التأسيسية المسيحية مجرّد مساحة جغرافية أو صيغة لتوزيع السلطة، بل مشروعًا سياسيًا ارتبط بحماية الوجود وضمان الاستمرار والحرّية في محيط أوسع. على أنّ المعنى الأعمق لمراجعة الزين لا يكمن في إعادة الاعتبار إلى موقف مسيحي تاريخي فحسب، بل في التمييز بين انتصاره القيمي وتعثره السياسي. فالانتصار القيمي الذي يتحدّث عنه ليس غلبةً للمسيحيين على المسلمين في تعريف لبنان، ولا إقرارًا بأنّ جماعةً امتلكت الحقيقة فيما أخطأت سائر الجماعات. إنّه تعبير عن اتّساع الاعتراف بضرورة الدولة المستقلّة وصاحبة القرار السيادي الواحد، بعدما كشفت التجارب المتعاقبة أنّ غيابها لا يهدّد جماعة بعينها، بل يترك اللبنانيين جميعًا تحت رحمة قرارات تتجاوز مؤسساتهم. لكنّ التحوّل في الوعي لا يصنع وحده تحوّلًا في الحكم. فقد يتّفق اللبنانيون على ضرورة الدولة، فيما تتمسّك قواهم السياسية بالامتيازات التي تمنع قيامها. من هنا، يصبح الانتقال من الكيان إلى التكوين جوهر المسألة المسيحية السياسية. إن المشروع الذي نشأ، في الوعي المسيحي، لحماية وجود جماعة، لا يستطيع ضمان استمراره إذا ظلّ بقاؤه مرتبطًا بتفوّقها أو بحصّتها في الحكم.