يتّخذ الضغط الأميركيّ على لبنان لإلغاء التشريعات المتعلّقة بمقاطعة إسرائيل منحًى سياسيًّا أكثر وضوحًا، مع انتقال النقاش من القنوات الدبلوماسيّة إلى أروقة مجلس النوّاب، في وقتٍ لم تُفضِ فيه المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة إلى مكاسب ملموسة لبيروت، سواءٌ لجهة وقف الاعتداءات أو تحقيق الانسحاب الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة. وبين استعجال واشنطن الانتقال إلى مستوى جديد من التنسيق المباشر مع إسرائيل، وتحفّظاتٍ نيابيّة على توقيت الخطوة وتداعياتها، يجد لبنان نفسه أمام معضلةٍ تتجاوز تعديل قانونٍ صدر عام 1955، لتطاول طبيعة العلاقة التي تسعى الولايات المتّحدة إلى إرسائها بين بيروت وتل أبيب، وحدود ما يمكن أن تقدّمه الدولة اللبنانيّة في مسارٍ تفاوضيّ لم تحصل منه حتّى الآن على ضماناتٍ مقابلة. واشنطن تنقل الملفّ إلى البرلمان عاد ملفّ إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل إلى واجهة النقاش السياسيّ، بعد إثارة السفير الأميركيّ لدى لبنان ميشال عيسى الموضوع خلال لقاءاتٍ مع نوّاب لبنانيّين، وسط حديثٍ عن طلبٍ أميركيّ للعمل على تقديم اقتراح قانونٍ يلغي التشريعات المتعلّقة بالمقاطعة. وبحسب معلومات "المدن"، أُبلغ السفير الأميركيّ أنّ الكرة باتت في ملعب مجلس النوّاب، باعتبار أنّ أيّ تعديلٍ أو إلغاءٍ للتشريعات النافذة يحتاج إلى مسارٍ دستوريّ، وأكثريةٍ نيابيّة لإقراره، وقرارٍ سياسيّ يتجاوز موقف نائبٍ أو كتلةٍ بعينها. وتزداد حساسيّة الملفّ بالنظر إلى ارتباطه بتاريخ الصراع مع إسرائيل، واستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيليّة، فضلًا عن غياب نتائج ملموسة من المفاوضات الجارية برعاية واشنطن. وتكمن المفارقة في أنّ الولايات المتّحدة تدفع باتّجاه توسيع التنسيق المباشر بين لبنان وإسرائيل، في حين لا تزال بيروت تنتظر تحقيق المطالب الأساسيّة التي دخلت المفاوضات من أجلها. فالمسار الذي انطلق بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الاحتلال لم يُنتج حتّى الآن مكاسب تتيح للبنان الانتقال إلى البحث في طبيعة علاقته المستقبليّة مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يطرح الطلب الأميركيّ سؤالًا يتعلّق بتوقيت المبادرة التشريعيّة، وما إذا كان المطلوب من الدولة اللبنانيّة تقديم تنازلٍ قانونيّ وسياسيّ قبل حصولها على ضماناتٍ مقابلة، خصوصًا أنّ إلغاء قانون المقاطعة يتجاوز تنظيم العلاقات التجاريّة إلى إعادة النظر في أحد الأطر القانونيّة التي حكمت العلاقة مع إسرائيل لعقود. وفي حديثها لـِ"المدن"، تكشف النائبة بولا يعقوبيان أنّها علمت بوجود توجّهٍ لتقديم اقتراح قانونٍ يتعلّق بمقاطعة إسرائيل . وتوضح يعقوبيان أنّها أثارت الموضوع علنًا بعدما علمت بوجود نيّةٍ لتقديم اقتراحٍ من هذا النوع، قبل أن يُطرح الملفّ خلال لقاءٍ مع السفير الأميركيّ، حيث أكّدت الموقف نفسه الذي سبق أن أعلنته. وتقول يعقوبيان إنّ هذه المسائل يجب أن تكون من مخرجات العمليّة السياسيّة والتفاوضيّة، لا من مقدّماتها، مشدّدةً على أنّ "التطبيع يأتي بعد السلام". وترى أنّ إلغاء التشريعات المتعلّقة بمقاطعة إسرائيل في المرحلة الراهنة لا يخدم المصلحة اللبنانيّة، معتبرةً أنّ هذه القوانين تشكّل جزءًا من الأوراق التفاوضيّة التي تمتلكها الدولة اللبنانيّة، ولا يجوز التخلّي عنها قبل التوصّل إلى اتّفاقٍ سياسيّ واضح. وتشدّد يعقوبيان على أنّ "هذه المواضيع يجب أن تكون من مخرجات المفاوضات، لا من مقدّماتها، فالتطبيع يأتي بعد السلام"، معتبرةً أنّ "لبنان ليست له أيّ مصلحة في التخلّي عن أوراقه التفاوضيّة قبل انتهاء المفاوضات والتوصّل إلى اتّفاق سلام". وتضيف: "من يتوقّع أن يتخلّى لبنان عن أوراقه التفاوضيّة قبل انتهاء المفاوضات والتوصّل إلى السلام؟ فقانون المقاطعة جزءٌ من هذه الأوراق"، مؤكّدةً أنّ "طرح إلغاء القانون في هذا التوقيت لا يقوّي موقف السلطة اللبنانيّة التفاوضي". وعن احتمال تقديم اقتراح القانون إلى مجلس النوّاب، تقول يعقوبيان: "لا أعرف ما إذا كانوا سيقدّمون القانون أم لا، لكنّ الواضح أنّ هذه الخطوة لا تعزّز موقف لبنان التفاوضيّ". وتشير إلى وجود قوى ضغطٍ لبنانيّة تدفع باتّجاه التطبيع مع إسرائيل، قائلةً: "هناك قوى ضغطٍ لبنانيّة تعمل على التطبيع مع إسرائيل، ومن بينها أنطون الصحناوي، الذي يتمتّع بنفوذٍ واسع داخل الدولة اللبنانيّة والقضاء، ولذلك لا تصل الدعاوى المقدّمة ضدّه إلى نتيجة". وتضيف أنّ "هذه الجهات تضغط لإلغاء القوانين التي تجرّم التعامل مع إسرائيل، حتّى قبل أن يحصل لبنان على تعهّدٍ بالانسحاب الإسرائيليّ"، مجدّدةً التأكيد أنّ أيّ خطوةٍ من هذا النوع يجب أن تأتي ضمن نتائج التسوية السياسيّة، لا أن تسبقها. المقاطعة قرار عربيّ: فهل ينفرد لبنان بإلغائها؟ ومن الحجج المطروحة في النقاش النيابيّ أنّ قانون مقاطعة إسرائيل لا ينفصل عن سياقه العربيّ، إذ لم ت