لا شيء في لبنان يضاهي الكهرباء في استحواذها على الأحاديث اليومية، ولا شيء يثير الغضب مثل انقطاع الإنترنت. أما الاتصالات، بوصفها قطاعاً وقانوناً ورؤية، فغالباً ما تمرّ من دون ضجيج. وهذا ما ناقشته جلسة «التكنولوجيا والاتصالات في لبنان بين الحقوق والتطبيق»، ضمن ملتقى «خبز ونت» في بيروت عام 2026، بمشاركة النائب ياسين ياسين، ورئيسة القسم الحقوقي في مركز المعلوماتية القانونية الدكتورة أودين سلوم، والصحافي مهدي كريّم، منسّق التواصل والتحرير العربي في SMEX. قانون كُتب للصوت يحكم عالم البيانات بدأ النائب ياسين من أساس المشكلة، مشيراً إلى أن القانون 431 يحكم القطاع منذ نحو 24 عاماً، وقد وُضع في وقت كان فيه الصوت محور الاتصالات. وقال: «منذ 24 عاماً نتحدث عن قطاع كان صوتاً فقط، واليوم دخلت البيانات، فأين حمايتها؟». وأضاف أن قطاع الخلوي بقي خارج أي إطار تشريعي، فتولى الوزراء المتعاقبون إدارته وتشغيله مباشرة، إلى أن انهار القطاع وتعطّل إنشاء هيئات ناظمة مستقلة. وفي هذا السياق، قدّم النائب اقتراح القانون 150/2025، الذي يقوم على فصل الأدوار بين المالك والمشغّل، وبين الجهة التنظيمية والجهة المعنية بحماية المستهلك، وعلى اعتماد رخصة شاملة تغطي مختلف الخدمات، وعلى ضمان استقلالية الهيئة الناظمة وتأمين تمويلها. وبحسب النائب، يستند الاقتراح إلى أربعة أعمدة تتمثل في شبكة مستقرة، وإدارة قادرة، ومستثمر مطمئن، ومواطن محميّ البيانات. وقدّر النائب كلفة التأخر بالسنوات، مشيراً إلى أن لبنان كان متقدماً في قطاع الاتصالات مطلع الألفية، لكنه متأخر اليوم نحو 25 عاماً، فيما تعادل السنة الواحدة في مجال الذكاء الاصطناعي عشر سنوات. وعزا ذلك أساساً إلى أسباب سياسية، في ظل غياب استراتيجية وطنية موحّدة وتقطّع العمل مع تبدّل الوزراء. ولا يرى ياسين أن تعدّد المشاريع يشكّل مشكلة بحد ذاته، بل إن المشكلة تكمن في غياب التنسيق بينها، وهو ما يسمّيه «فوضى تشريعية». وأقرّ بأن اقتراحه نفسه يصطدم بعقبات سياسية داخل اللجان. جامعة بلا موازنة تسبق الدولة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي انتقلت الدكتورة سلوم من البرلمان إلى قاعة الدرس، مشيرة إلى أن كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية أصدرت إرشادات للذكاء الاصطناعي عام 2024، قبل إنشاء الوزارة المعنية، كما أدرجت مادة «أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي» في السنة الثالثة. وجاء ذلك انطلاقاً من أن الأخلاق والحوكمة هما ما يبقى لتوجيه سلوك الأفراد ودورة حياة الأنظمة الذكية في غياب القوانين. لكن الجامعة تعمل بموازنة هزيلة ومكتبات متواضعة، وتعتمد على المبادرات الفردية لأساتذتها. وتكمن المفارقة في أن مؤسسة تفتقر إلى الإمكانات سبقت وزارة أُنشئت خصيصاً لهذا الغرض. وترى سلوم أن الأزمة لا تقتصر على الجامعة، بل تشمل المناهج التعليمية كلها. وقالت: «المطلوب اليوم أن نتجه نحو التحليل النقدي، وأن نعلّم الناس كيف يفكّرون وكيف يحلّلون، وكيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي لا بوصفه محرّك بحث، بل مصدرَ معطيات يُحسنون الإفادة منه». وفي الشق القانوني، اقترحت سلوم ثلاث خطوات تبدأ من إقرار قانون عام يوحّد التعريفات والمسؤوليات ويعدّل القوانين القائمة. فقانون الخصوصية 81/2018 لا يكفي، فيما لا يستوعب قانون العقوبات جرائم مثل التزييف العميق، وتبقى عقوباته خفيفة قياساً بحجم الضرر. كما اقترحت تعديل قانون الملكية الفكرية، إضافة إلى إنشاء هيئة مستقلة تتولى وضع أنظمة سريعة ومراقبة تنفيذها، نظراً إلى بطء التشريع في مختلف البلدان. وحذرت سلوم من استنساخ النموذج الأوروبي الشامل، لأنه قد يرهق الصناعات الصغيرة، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي نفسه بدأ يؤخّر بعض مراحل تطبيقه. من جانبه، قرأ مهدي كريّم المشهد من زاوية الصحافي، مشيراً إلى أن أول ما يواجهه هو عدم معرفة الجهة التي ينبغي التوجّه إليها: الوزارة أم الهيئة الناظمة أم شركتا «تاتش» و«ألفا». فالصلاحيات متداخلة، كما ظهر أخيراً في العلاقة بين وزارة التنمية الإدارية ووزارة الدولة للذكاء الاصطناعي. ولا يقتصر أثر هذا التداخل على تعطيل عمل الصحافي، بل يحرم الرأي العام أيضاً من محاسبة جهة بعينها. فعندما تتوزع المسؤولية بين أكثر من جهة، يضيع السؤال قبل أن يصل إلى من يملك الإجابة. ويزيد الأمر صعوبة أن الوصول إلى المسؤولين يتم عبر العلاقات الشخصية أكثر مما يتم عبر القنوات المهنية. ورأى كريّم أن الوزارة نشأت قبل نحو عامين نتيجة المحاصصة الطائفية والسياسية، بعدما كان أحد الوزراء موعوداً بحقيبة الاتصالات، فاستُحدثت له وزارة قريبة منها. لذلك، لم تنطلق الوزارة من رؤية واضحة، ولم تُحدّد صلاحياتها أو موازنتها. وأعلنت الوزارة توقيع 16 اتفاقية مع جهات رسمية، لكن كريّم زار إحدى الوزارات الشريكة ووجد أنها لم تسدّد اشتراك الإنترنت منذ أربعة أش