ليبانون ديبايت - المحامية فريال الاسمر في لبنان لم تعد المشكلة تقتصر على اختزال الطائفة الشيعية بحزب الله، بل باتت تتجاوز ذلك الى استخدام إسم الحزب أحياناً كوسيلة للضغط على الآخرين أو تشويه سمعتهم، أو الإضرار بمصالحم من خلال الإدعاء بأن هذا الشخص يعمل لحساب حزب الله أو يتلقى منه التمويل، أو تربطه به علاقة من نوع ما، من دون تقديم أي دليل يثبت صحة هذه الادعاءات، وهنا نكون أمام مسألة خطيرة تتجاوز الاختلاف السياسي الى المساس بسمعة الانسان وكرامته، وربما بسلامته ومصالحه المهنية والاجتماعية. فهل أصبح إطلاق إتهام بالعمل لحساب حزب الله أو تلقي التمويل منه أمراً سهلاً الى درجة ان يستخدم لتصفية الحسابات الشخصية أو للإساءة الى أشخاص لا تربطهم به أي علاقة. ومن المغالطات الكبيرة والخطيرة أيضاً ان يُصنف كل من يعارض السلام مع إسرائيل أو يتحفظ على شروطه وظروفه على أنه منتم لحزب الله وكأن الموقف من السلام أو من الصراع مع إسرائيل حكرٌ على حزب الله دون سواه. فالمواقف الساسية تتعدد، ومن حق كل مواطن أن يعبر عن رؤيته انطلاقاً من قناعاته الوطنية والإنسانية من دون أن يفرض عليه انتماء لم يختره. وليس كل من يندد بمجازر العدو الإسرائيلي ويرفض قتل المدنيين وتهجيرهم وتدمير منازلهم ينتمي الى حزب الله، فقد يكون وقوفه نابعاً من رفض الظلم والدفاع عن كرامة الانسان والايمان بأن حياة المدنيين ليست ورقة في صراع سياسي. إن رفض القتل والتهجير لا يحتاج الى بطاقة حزبية، والتضامن مع أهل الجنوب لا يعني الولاء السياسي، وإدانة المجازر لا تجعل من صاحبها تابعاً لأي جهة، فالضمير الإنساني ليس حكراً على حزب، ورفض الظلم ليس امتيازاً سياسياً يمنحه طرف لنفسه ويحجبه عن الآخرين، ليس كل من يرفض التطبيع مؤيداً لحزب الله وليس كل من يندد بالمجازر تابعاً له بل قد يكون ببساطة انساناً يرفض القتل، ومواطناً يرفض الظلم وصاحب موقف لا يريد أن يرى أهل الجنوب يهجرون أو يقتلون. ليس كل من تختلف معه عميلاً، وليس كل من نريد إقصاءه مرتبطاً بحزب، وليس كل اتهام يصبح حقيقة لمجرد تكراره. ان المجتمع الذي يسمح بتحويل الاتهامات السياسية الى أدوات للإيذاء يعرّض جميع أفراده للخطر، بصرف النظر عن طوائفهم وانتماءاتهم، فياليوم قد يستهدف شخص بإتهامه بالإرتباط بحزب الله وغداً قد يستهدف آخر بالارتباط بجهة سياسية مختلفة وعندما يصبح الاتهام وسيلة لتصفية الحسابات، لا يعود أحد بمنأى عن التشويه والظلم. في دولة القانون لا يدان الانسان بهويته، ولا يتهم لمجرد الاختلاف معه، ولا يعاقب اجتماعياً بناءً على رواية لم تثبت صحتها، إنما بتحث الوقائع وتقدم الأدلة وتترك المساءلة للجهات المختصة، مع ضمان حق كل إنسان في الدفاع عن نفسه. في لبنان، نحن بحاجة الى ثقافة تحاسب على الأفعال لا على الهويات، وتطالب بالدليل لا بالشائعات، وتحمي حق الاختلاف بدلاً من تحويله الى تهمة.