صيف 1978، أسدل الستار على جانب من السيد موسى الصدر أو الأمام موسى الصدر، كما كان معروفاً لدى أتباعه في لبنان، وانتهت مرحلة من مراحل التاريخ الشيعي اللبناني الحديث. فرجل الدين المولود في قم(إيران)، والذي ظهر في لبنان العام 1959، اختفى في ليبيا بينما كان في زيارة للعقيد الليبي القذافي. موسى الصدر، رجل الدين الناشط سياسياً، والمثير للاهتمام، وصل الى ليبيا في 25 آب 1978 وشوهد للمرة الأخيرة في 31 آب من العام ذاته في احد فنادق طرابلس الغرب وهو يستعد للتوجه للاجتماع مع القذافي. واختفى... وصار للاختفاء معنى آخر وحكاية. وشهد منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، اندفاعة للكتابة عن الإمام موسى الصدر، من قبل الكاتب "الشيعي اليميني" مصطفى جحا الذي اغتيل بعد نهاية الحرب بسبب رأيه، وكان أصدر كتاب "سجين الصحراء/ الفارعاملي الإمام موسى الصدر"، وهناك كتاب "الإمام المغيب موسى الصدر وشيعة لبنان" للباحث اللبناني الأميركي فؤاد عجمي، وسنعتمد في هذه العجالة على كتاب عجمي مع أن الباحث طريف الخالدي كتب عنه مراجعة بعنوان "حذر قليل وضغينة كثيرة" وانتقد في مراجعته الأسلوب الاستشراقي الذي اتبعّه عجمي، واعتبر أن التحليل يفتقر إلى الموضوعية التاريخية وينطلق من خلفية سياسية موجهة تخدم سرديات معينة ضد التيارات العربية السائدة آنذاك. وخلص الخالدي إلى القول: "أعتقد أن هذا الكتاب مشوب بشوائب خطيرة تجعل منه كتاباً لا يصلح لاستعمال الباحثين". لذا، سنتجنب السردية السياسية ونركز على البعد السوسيولجي. والحال أن جوانب كثيرة يمكن استخلاصها من كتاب عجمي بالنسبة إلى علاقة الأمام موسى بالوجدان الشيعي، إذ يقول الكاتب: "البعض كان على يقين أنّ القذافي قتل الإمام موسى، لكن أتباع هذا الرجل المؤمنين جلسوا تحت صوره مردّدين كلماته ومنتظرين عودته، وفي أعقاب اختفائه، تحوّلت السياسة الشيعية في لبنان في عدة نواحي إلى صراع على تراث إمام مغيب". يضيف: "هذا الواقع، الذي حدث في ليبيا صيف 1978، أعاد إلى الأذهان مراحل تاريخ العقيدة في المذهب الشيعي، الإمام الثاني عشر من الأئمة الاثني عشر، الذي خلف النبي وهم من سلالة فاطمة، اختفى عن أنظار الناس العاديين خلال العام 873 874 م، ليعود ويظهر في المستقبل لتحقيق العدالة في العالم. هذه هي عقيدة الغيبة أو إخفاء الإمام المنتظر. وهذه العقيدة أتت من جراء المحن الأولى التي تعرضت لها الطائفة الشيعية التي تمثل عقيدة أقلية في عالم الإسلام". قصة الإمام موسى امتزجت مع المعنى السامي ليوم الخلاص عند شعبه، فانتظار يوم الخلاص ورجل غير عادي يقود التاريخ إلى مرحلة اكتمال والذي يظهر عندما تسمح له مشيئة الله، كل ذلك كان مهيئاً للإمام موسى بشكل طبيعي. وإذا كانت بداية صعود الإمام موسى الصدر توافقت مع غموض العقيدة، التي تتلخّص بربط ما قيل وما لم يقل، والاعتقاد في شخص غير عادي ليقود ويخلص الناس، فإنها ليست بعيدة من عملية الاختفاء التي حصلت في ليببا..". و"غموض قصة الإمام موسى الصدر كان بحدّ ذاته مصدراً لكثير من قوتها" وحالة الاضطراب في لبنان الحرب الأهلية التي اندلعت العام 1975 ودخول القوات السورية والاعتقاد في شخص غير عادي ليقود ويخلص الناس، فإنها ليست بعيدة عن عملية الاختفاء التي حصلت في ليبيا. اتباع السيد موسى، أصروا على القول، إنه سوف يستمر في شغل منصبه كرئيس للمجلس الشيعي الأعلى، الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1978، هذه الحالة كلها جعلت شيعة لبنان خاصة يشعرون بقرب يوم الخلاص. جاءت قصة الاختفاء لتلبية مجموعة من الاحتياجات، وأخذ هذا التراث زخماً عندما انفجر بركان الثورة في إيران بعد شهور على اختفاء موسى الصدر، الخميني وهو رجل دين يقود الرجال و"إمام مسلح"، أطاح نظام الشاه الملكي في إيران، وأصبح الناس جزءاً من انتفاضة كبيرة. الثورة رفعت عالياً مبادئ الإسلام الشيعي الذي كان لفترة خائفا محرجاً، فالشيعة والتي كانت طوال قرون عقيدة التحسر والإذعان، أصبحت حركة تمجيد وتمرّد. بين طريقينالطريق ما بين إيران وشيعة لبنان التي استقدمت السيد موسى إلى لبنان، يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة قرون. منذ أن فرضت السلالة الصفوية الحاكمة، المذهب الشيعي دين الدولة في إيران في القرن السادس عشر الميلادي، وحمل الاتصال بين البلدين رجال الدين الشيعة إلى الانتقال من جبل عامل جنوب لبنان إلى العالم الكبير حيث الحاجة إلى رجال دين لنشر المذهب الشيعي. الإمام موسى الذي قدم إلى لبنان من قم 1959، عكَس وجهة السير المعتادة في الطريق ما بين إيران ولبنان، من مركز كبير للعالم الشيعي إلى موقع خلفي. وصل الإمام موسى مع لهجة فارسية وأسلوب فارسي في التكلم. لم يكن يحمل الجنسية اللبنانية، كان قادماً جديداً، لكن قدومه لم يكن بلا أهمية. البلد الحساس، الذي أتى إليه، يملك أفكاراً راسخة حول رجال خُلقوا ليقودوا ورجال كُتب عل