لم يكن قرار وزارة التربية والتعليم السورية إدراج اللغة الكردية في المدارس مجرد تعديل في الخطة الدراسية، فالقرار صدر بعد يومين من إعلان القائد العام لـ"قوات سوريا الديموقراطية" مظلوم عبدي حلّها والإدارة الذاتية واندماج مؤسساتهما في الدولة، ليمنح التطور السياسي والعسكري بُعداً ثقافياً ظل غائباً عن علاقة دمشق بالكرد طوال عقود. وبموجب التعديل الصادر في 27 آب/أغسطس الجاري، تُدرّس الكردية، بوصفها لغة وطنية في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكّل فيها المواطنون الكرد "نسبة ملحوظة" من السكان دون أن يحدد التعديل ماهي النسبة. وخصص القرار ثلاث حصص أسبوعية للغة تدخل درجتها في المجموع النهائي وحصة للأنشطة، كما أتاح للطلاب خلال العام الانتقالي الأول دراسة الاجتماعيات والتاريخ والجغرافيا والفلسفة بالعربية أو الكردية. ويفترض أن يبدأ التطبيق مع العام الدراسي المقبل (2026-2027)، بعد إعداد المناهج واستقطاب المدرسين وإخضاعهم لاختبارات كتابية وشفهية. جاء ذلك في نهاية مسار امتد سبعة عشر شهراً، منذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وعبدي، ووضع الاتفاق قاعدة واضحة بأن المجتمع الكردي أصيل في الدولة السورية وحقوقه الدستورية مصونة، في مقابل دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن مؤسسات الدولة. ورغم تعثر التنفيذ وتصاعد التوتر إلى مواجهات عسكرية، إلا أنه انتهى بإلغاء القوة المستقلة وعودة المؤسسات والموارد والمعابر إلى سلطة دمشق. وكان إنهاء ازدواج السلاح والإدارة ضرورياً لاستعادة وحدة الدولة، وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الوحدة أن تستقر إذا طلب من الكرد دخول الدولة وترك لغتهم وذاكرتهم عند أبوابها. هنا تظهر أهمية التزامن بين المصالحتين السياسية والثقافية، فالأولى تنهي الانقسام في السلطة، والثانية تعالج الأسباب التاريخية لانعدام الثقة. وتعرف "قسد" بأنها تنظيم عسكري وسياسي قاده أكراد وضم مكونات أخرى، وهي لا تختزل المجتمع الكردي أو تنوب عن جميع تياراته، ومع ذلك، تداخل النزاع حولها سنوات طويلة مع القضية الكردية، حتى أصبح النقاش في السيادة والسلاح مرتبطاً بالنقاش في اللغة والهوية والتمثيل، إلا أن نجاح الاندماج يتطلب فصل حق الدولة في احتكار السلاح عن حق المواطنين الكرد في حماية ثقافتهم، لذلك يأتي القرار التعليمي كخطوة عملية في هذا الاتجاه. الهوية الكردية كملف أمني في نظام الأسد وتعاملت السلطات خلال حكم الأسد مع مظاهر الهوية الكردية بوصفها ملفاً أمنياً، حيث وثق ناشطون أكراد وصحافيون ومنظمات حقوقية قيوداً على استخدام اللغة في المدارس والعمل والحياة العامة وحظر المطبوعات والاحتفالات وتغيير أسماء قرى وبلدات، وقمع التجمعات الثقافية، وصل في بعض السنوات إلى إطلاق النار على المحتفلين بعيد "النوروز". لذلك يحمل دخول الكردية إلى مدرسة حكومية أهمية بالغة، فاللغة التي كانت سبباً للريبة أصبحت جزءاً من المنهاج الذي تقره الدولة. مصالحة تسبق الاندماج العسكري وبدأت المصالحة الثقافية قبل اكتمال الاندماج العسكري، حيث أطلقت وكالة الأنباء السورية "سانا" في آب/أغسطس 2025 قسماً باللغة الكردية ضمن لغات نشرها. وفي كانون الثاني/يناير 2026 صدر المرسوم رقم 13، معترفاً بالكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وبثقافتهم ولغتهم جزءاً من الهوية الوطنية. واعتبر المرسوم الكردية لغة وطنية كما ألغى التدابير الناتجة من إحصاء الحسكة عام 1962، وشمل مكتومي القيد بالجنسية، وجعل النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر، وحظر التمييز والإقصاء القائمين على العرق أو اللغة. وتبع ذلك جناح مخصص للكتاب والثقافة الكرديين في معرض دمشق الدولي للكتاب، واحتفالات رسمية بالنوروز في دار الأوبرا والمجمع الرياضي في المزة، وملتقى "أيام كردية" في اتحاد الكتاب العرب، ثم مهرجان "أيام الثقافة الكردية" الذي نظمته وزارة الثقافة في مجمع دمر، بمشاركة الشعر والموسيقى والمسرح والسينما والندوات اللغوية، لتنتقل الثقافة الكردية بذلك من مساحة كان يتسامح معها أحياناً ويضيَّق عليها أحياناً أخرى، إلى منابر ترعاها مؤسسات الدولة. ويبقى التعليم الموضوع الأكثر تعقيداً، فالدولة لم تُدخل الكردية إلى أرض خالية من التجارب، فمنذ 2012 طورت الإدارة الذاتية مدارس ومناهج اعتمدت اللغة الأم في مراحل ومناطق مختلفة، وأنشأت مؤسسات لإعداد المدرسين وإنتاج الكتب. إلا أن تلك المنظومة عانت من عدم الاعتراف بشهاداتها ومن تسييس بعض مناهجها وانفصالها عن النظام التعليمي السوري، وهنا تأتي أهمية توحيد المناهج فهي تعالج مشكلة الشهادات وتعيد فتح الجامعات والوظائف أمام الطلاب، لكن يجب أن يستفاد من خبرة المدرسين واللغويين الذين عملوا طوال السنوات الماضية، وألا يحوّل الاعتراف الجديد إلى تراجع عن مستوى التعليم باللغة الأم. ويعت