أعاد تصريح قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في شأن احتمال استعادة خدمة العلم فتح النقاش حول جدوى التجنيد الإلزامي وشروط تطبيقه. وتعود جذور التجربة إلى عام 1953، في وقت استؤنفت بصيغتها المعروفة عام 1993، قبل صدور قانون إلغائها عام 2005 ودخول الإلغاء النهائي حيز التنفيذ في فبراير عام 2007. وجاء القرار وسط اعتراضات على تأثير الخدمة في الدراسة والعمل والهجرة، ونقاش حول بناء جيش محترف. بعد نحو 20 عاماً على إلغاء التجنيد الإلزامي، عادت خدمة العلم إلى واجهة النقاش في لبنان من باب تصريح لقائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام، مما استحضر تجربة عاشها مئات آلاف اللبنانيين، وفتح أسئلة حول الجدوى منها على البعدين العسكري والوطني لناحية الانفتاح بين الطوائف، إضافة إلى قدرة المؤسسة العسكرية على استيعاب مجندين جدد، ومدى تحول الواجب الوطني إلى عبء إضافي على الدراسة والعمل. في التفاصيل، قال قائد الجيش على هامش سباق ماراثون الجيش تحت شعار "سوا مكملين" إننا سنعيد خدمة العلم على رغم أن هناك من لا يحب عودتها، رابطاً الخطوة بتعزيز اللحمة والوحدة بين اللبنانيين، وهو كلام أعاد فتح الملف، لكنه لم يتضمن برنامجاً تنفيذياً يحدد موعد العودة أو أعمار المشمولين أو مدة خدمتهم. تصريح قائد الجيش رودولف هيكل أعاد فتح النقاش حول خدمة العلم من دون إعلان قرار نهائي أو موعد للتنفيذ (مديرية التوجيه في الجيش اللبناني) قد يكون اقتراح هيكل مبنياً على آمال مرتبطة بواقع المؤسسة العسكرية، إلا أن إعادة التجنيد إلى لبنان تواجه باعتراضات من جيل الشباب الذين يحاولون استكمال دراستهم أو تأمين دخلهم، إضافة إلى أن تمويل التجنيد وقدرة الدولة على تحمل نفقاته ليسا سهلين، وحضرت مسألة حصر السلاح بيد الدولة في مقابل آراء مؤيدة لخدمة تجمع التدريب العسكري بالتأهيل المهني والعمل المدني. عملياً، إن إعادة فرض الخدمة تستدعي معالجة قانون الإلغاء، وتحديد الفئات المشمولة والمدة والإعفاءات والتمويل وضمانات الدراسة والعمل. وتوضح التجربة السابقة أهمية الجانب المعيشي: فقد نص القانون على تعويض شهري رمزي للمجند، وعلى انقطاع راتب الموظف أو الأجير أثناء الخدمة، مع ضمان عودته لعمله بعد التسريح وحقوق عند امتناع صاحب العمل عن إعادته. وترتبط خدمة العلم في ذاكرة كثيرين بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية، لكن جذورها أقدم، حيث صدر أول قانون لها في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 1953، وأدخل التدريب العسكري بموجبه في مناهج طلاب المرحلة الثانوية، واستمر هذا المسار حتى عام 1975. أما التجربة الواسعة التي عرفها جيل التسعينيات، فأعيد تطبيقها عام 1993 استناداً إلى المرسوم الاشتراعي رقم 102 الصادر في الـ16 من سبتمبر (أيلول) عام 1983، والمتعلق بالدفاع الوطني، إذ شكل معسكرا الوروار (جبل لبنان) وعرمان (شمال) محطتين أساسيتين لاستقبال المجندين وتدريبهم. وتقدر مجلة الجيش اللبناني عدد الذين أدوا الخدمة بين عامي 1993 و2007 بنحو 250 ألف مجند، بينهم نحو خمسة آلاف ملازم مجند و12 ألف رتيب، في وقت تطوع نحو 12 ألفاً في الجيش بعد انتهاء خدمتهم الإلزامية، وهي أرقام تجعل التجربة جزءاً من التاريخ الاجتماعي اللبناني، إلى جانب موقعها في تاريخ المؤسسة العسكرية. لم يكن مفهوم خدمة العلم، في النص التشريعي، محصوراً بالتدريب على السلاح، فالباب الخامس من قانون الدفاع الوطني ميز بين ثلاث صور، الخدمة العسكرية لإعداد المواطن للقيام بمهام الدفاع، والخدمة المدنية لمساندة القوى المسلحة، لا سيما في الدفاع المدني والقطاعات المرتبطة بمهامها، والخدمة الإنمائية للمساهمة في المجهود الاجتماعي والقطاعات ذات المنفعة العامة. وكان الإلزام يشمل اللبنانيين بعد إتمام الـ18، في وقت نص القانون على إمكان إخضاع اللبنانيات عند الاقتضاء، بمرسوم يحدد شروط استخدامهن ومجالاته، وعليه، فإن الحديث اليوم عن إدخال أبعاد مدنية وإنمائية إلى الخدمة يستند إلى فكرة كانت موجودة أصلاً في التشريع، وإن طغى الوجه العسكري على صورتها العامة. من الناحية الاجتماعية، قدمت المؤسسة العسكرية التجربة بوصفها وسيلة لجمع شبان من مناطق وطوائف وطبقات مختلفة داخل إطار واحد، وتعليمهم الانضباط والعمل الجماعي. وفي تقييم نشرته مجلة الجيش بعد 10 سنوات على إعادة التطبيق، ربط قادة معسكرات التدريب بين الإعداد العسكري والتنشئة الوطنية وتجاوز الانتماءات الضيقة. يرى المؤيدون أن الخدمة تعزز الانضباط والتعاون والتعارف بين شباب المناطق والطوائف المختلفة (مديرية التوجيه في الجيش اللبناني) تكشف العودة للنقاش السياسي والصحافي في مطلع عام 2005 أن إلغاء خدمة العلم جاء في ظل اعتراضات إثر الخدمة في مستقبل الشباب، وعلى علاقتها بالهجرة وفرص العمل، فضلاً عن خلاف أعمق حول الجيش الذي يحتاج إليه لبنان، بين جيش يعتمد على