أمام تراجع الزخم الأميركي، وفشل آليات "اتفاق الإطار"، والانكشاف الميداني المتزايد، مع التهديد بإنهاء مهمة "اليونيفيل"، يبدو لبنان الرسمي في صدد محاولة استثمار الوقت الضائع. وفي هذا السياق، تأتي جولات الرئيس جوزاف عون الأوروبية، إيطاليا ثم اليونان، توازيًا مع التحركات العسكرية والسياسية نحو العواصم العربية التي ترجمتها زيارة قائد الجيش رودولف هيكل لعمّان، كمحاولة لخلق شبكة أمان بديلة في مواجهة التصعيد الإسرائيلي في الجنوب. فالدولتان رغم علاقاتهما الاستراتيجية مع إسرائيل في مشاريع الطاقة والأمن المتوسطي، تحتفظان بصلات تاريخية مع لبنان. كما أن إيطاليا هي العمود الفقري لقيادة "اليونيفيل". ويطمح لبنان الرسمي إلى التواصل معها ومع أثينا بهدف بناء كتلة داخل الاتحاد الأوروبي تُعطّل الاندفاعة الأميركية نحو تصفية "اليونيفيل"، وتضغط لإبقاء التغطية القانونية والدولية للحدود الجنوبية. ولكن واقعياً، هذه الاستراتيجية تصطدم بغياب "الرادع السياسي". فالعواصم الأوروبية المتوسطية لا تمتلك الوزن الكافي كأدوات ضغط فاعلة على القرار السياسي في تل أبيب، لا سيما عندما تكون الأخيرة مسنودة بـ"ضوء أخضر" أميركي وتعمل على استغلال فترة الفراغ لفرض واقع ميداني بالقوة النارية، وهو ما يجعل الحركة اللبنانية تجاه أوروبا أقرب إلى تكتيك "لتقطيع الوقت" ومنع انهيار الدولة والجيش، وهو ما سيترجم في مؤتمر باريس لدعم المؤسسات العسكرية والأمنية. وفوق ذلك، سيكون على لبنان أن يواجه التحدي الأكبر بعدم الانزلاق إلى صراع المحاور المحتدم في مختلف الاتجاهات. وفي ضوء هذه المعطيات المقلقة، جدّد الرئيس نبيه برّي اليوم ثوابته وأطلق تحذيراته، واضعًا السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش والجنوب في دائرة "الخطوط الحمراء"، ومحذّرًا من التفاوض تحت النار ومن تحويل الضغط الإسرائيلي إلى اشتباك لبناني داخلي. من واشنطن إلى شبكة ضمانات أوسع ما يفعله لبنان، عمليًا، هو محاولة إعادة توزيع أوراقه الخارجية بعد انحسار القدرة الأميركية على إنتاج تسوية قابلة للتنفيذ. فالمشكلة لم تعد في غياب الوساطة، بل في غياب القدرة على إلزام إسرائيل بما يُتفق عليه. سبع جولات من التفاوض، كما ذكّر برّي، لم توقف تمدد الاحتلال أو التدمير. لذلك، ينتقل الرهان اللبناني من وسيط واحد يمتلك مفاتيح التسوية، لكنه لا يستخدمها للضغط المتوازن، إلى مجموعة أطراف تملك كل منها جزءًا من أدوات الحماية: غطاء أوروبي، دعم عسكري عربي، حضور أممي، ومظلّة سياسية فرنسية لمؤتمر دعم الجيش. هذه المقاربة لا تعني أن بيروت تملك بديلًا حقيقيًا عن واشنطن. فهي لا تزال الطرف الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل. لكن توسيع دائرة الاتصالات يمنح لبنان هامشًا إضافيًا: منع اختزال الملف الجنوبي بمطالب أمنية إسرائيلية، تثبيت مركزية الجيش، وربط الاستقرار الحدودي باستمرار الدعم الدولي للدولة، لا بترتيبات أمنية تُفرض عليها من الخارج. من أثينا، لم يكتفِ عون بتكرار الدعوة إلى وقف الاعتداءات، بل نقل الخطاب الرسمي إلى مستوى سياسي أبعد، عندما قال إن "الهدف من التفاوض مع إسرائيل هو إنهاء حالة العداء"، وإن الحل الأفضل هو الدبلوماسية. أهمية الموقف تكمن في محاولة رسم نهاية سياسية للمفاوضات بدل إبقائها أسيرة ترتيبات ميدانية مؤقتة. لكن عون ربط هذا المسار بشروط واضحة: تطبيق الاتفاق كاملًا من الطرفين، انسحاب إسرائيلي كامل، وسيطرة كاملة للقوى المسلحة الرسمية وحدها على الأراضي اللبنانية. بذلك، يحاول القصر الجمهوري تفادي معادلة تقوم على تقديم التزامات لبنانية أحادية مقابل وعود إسرائيلية مؤجلة. فالدولة، وفق هذا المنطق، مستعدّة لتحمّل مسؤوليتها السيادية، لكن بالتوازي مع إنهاء الاحتلال والاعتداءات، لا بعدهما وفي انتظارهما. وهنا تكتسب اليونان أهميتها. أثينا ليست وسيطًا قادرًا وحده على تغيير القرار الإسرائيلي، لكنها عضو في الاتحاد الأوروبي وشريك متوسطي لإسرائيل، ويمكنها أن تنقل الموقف اللبناني إلى مساحة أوروبية أوسع. وطلب عون مساعدة اليونان يعكس محاولة لتحويل الضمانات الأميركية المنفردة إلى شبكة سياسية أوسع. بالتوازي، تحوّلت حركة قائد الجيش رودولف هيكل إلى جزء من السياسة الخارجية اللبنانية. زيارته إيطاليا ثم الأردن تكمل المسار الرئاسي من الباب العسكري. فالمؤسسة العسكرية هي الطرف الذي يُطلب منه أن يملأ الفراغ الأمني في الجنوب، وأن يوسّع انتشاره، وأن يتحمّل أعباء أي ترتيبات لاحقة، فيما إمكاناته المالية واللوجستية لا تتناسب مع حجم المهمة. من هنا، يصبح مؤتمر باريس المنتظر محطة سياسية بقدر ما هو مؤتمر دعم. المطلوب ليس فقط معدات وتدريبًا ورواتب وقدرات لوجستية، بل تثبيت معادلة تقول إن تقوية الدولة تبدأ من تقوية مؤسساتها الشرعية، لا من تحميل الجيش مهمات أكبر من قدرته ثم محاسبته على العج